عبد اللّه بن قيس أبي موسى الأشعري « 1 » صاحب عمرو بن العاص في قضية التحكيم . كان أبو الحسن في بدء أمره معتزليا ، وكان يتتلمذ على امام المعتزلة في عصره أبي على محمد بن عبد الوهّاب الجبائي « 2 » فخالفه في مناظرة وقعت بينه وبين أستاذه « 3 » .
وفي نهاية المناظرة قال الجبائي للأشعري : إنّك مجنون ، فقال : لا ، بل وقف حمار الشيخ في العقبة . فرجع الأشعري عن عقيدة الاعتزال « 4 » وقام في نصرة « الصفاتية » وتاب من القول بالعدل وخلق القرآن ، في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة ، ورقى كرسيا ونادى بأعلى صوته : « من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي ، أنا فلان بن فلان ، كنت أقول بخلق القرآن ، وأنّ اللّه لا تراه الأبصار ، وأنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها ، وأنا تائب مقلع ، معتقد للرد على المعتزلة ، مخرج لفضائحهم ومعايبهم » « 5 » .
وأصبح أبو الحسن الأشعري - بعد ذلك - شيخ أهل السنّة والجماعة « 6 » وأخذ مذهبه ينتشر في الناس انتشارا بطيئا حتى أوائل القرن الخامس ، حيث
هامش
( 1 ) هلك سنة 44 ه ، كان في وقعة الجمل واليا على الكوفة ، أمّره أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عليها .
فأرسل أمير المؤمنين يدعو أهل الكوفة لينصروه ، لكن أبا موسى الأشعري كان يثبّطهم ، فعزله أمير المؤمنين ، وكان منعزلا حتى أيّام التحكيم بصفين فخدعه عمرو بن العاص . فارتدّ أبو موسى إلى الكوفة وهلك بها .
( 2 ) توفّي سنة 303 ه . له في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة .
( 3 ) المناظرة نقلها ابن خلكان في ترجمة الجبائي برقم : 607 ج 4 ص 267 - 268 .
( 4 ) قال ابن الجوزي في المنتظم ص 71 : « ان الأشعري ظل على مذهب المعتزلة زمانا طويلا ( أربعين سنة ) ثمّ تركه واتى بمقالة ، خبط بها عقائد الناس » . راجع : هامش الحضارة الاسلامية : ج 1 ص 378 .
( 5 ) راجع : ابن خلكان برقم : 429 ج 3 ص 285 . وقد خص الأشعري من كتابه « مقالات الاسلاميين » فصولا مشبعة بعرض آراء المعتزلة .
( 6 ) هذه السمة وسمه بها أرباب التراجم وأصحاب الحديث من الحشوية ، لا سيما ابن تيمية الحرّاني في كتابيه : المنهاج والموافقة . وتقدم عن الشهرستاني في الملل والنحل : ج 1 ص 93 .