* - الأولى - قوله تعالى :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ، وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا . إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً
« 1 » .
زعموها نزلت بشأن قصة الغرانيق ! ولكن الآية ترمي شيئا آخر لا مساس له بتلك القصة ، وذلك ان قريشا بعد ما أيست من التغلب على دعوة الحق ، ورأت ان الدعوة تتقدم بسرعة مع الليالي والأيام ، حاولت الاصطلاح مع رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) ليجاملهم بعض الشيء ، فلا يذكر آلهتهم بسوء ولا يسفه أحلامهم علانية ، وشرطوا عليه إن كان يرغب في موادتهم ومراودتهم ان يجتنب مجالسة العبيد والسفلة الأذلاء ويطردهم عن حاشيته وبالتالي يداهنهم في سيرته النزيهة التي تمثل منهج العدل والحكمة ، فيحولها إلى سلوك أهل الكبرياء وأصحاب الترف في الحياة .
وقد تحرج النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) تجاه اقتراحهم هذا الثقيل ، فمن جهة كان يرغب شديدا في ايمان قومه ، فكان يرى لو جاملهم بعض الشيء لاستطاع اخضاعهم للاسلام ، ومن جهة أخرى كان عليه صعبا جدا ان يحول من سيرته العادلة إلى سيرة جبارة ، ولم يكن يستطيع ذلك أبدا .
فنزلت الآيات تيئيسا لمطمع أهل الشرك والفسوق ، وترويحا بنفسه الكريمة ليتخلص عن المأزق الذي وقع فيه . فليكن على قاطع من أمره أنه يسير على المنهج الحق ، وان لا مطمع في ايمان هؤلاء الأنذال حتى ولو جاملهم في الأمر .
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
« 2 » .
قال تعالى :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
أي حاولوا خداعك . « عن الذي
هامش
( 1 ) الاسراء : 73 - 75 .
( 2 ) الشعراء : 200 - 201 .