تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦

استعجال يونس :

قال تعالى :
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
« 1 » . مم كان مغاضبا ؟ وكيف ظن أن لن يقدر اللّه عليه ؟ وبما ذا اعترف على نفسه بالظلم ؟ الجواب : انه كان مغاضبا لقومه بسبب اصرارهم على الضلال والمعاندة مع الحق ، وقد مكث بين أظهرهم يدعوهم إلى اللّه وهم لا يستجيبونه حتى أيس منهم ، وأحس بالعقاب يرفرف على رؤوسهم ، فأخذ بمغادرتهم لأن العذاب لا ينزل بساحة قوم وفيهم نبي
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
« 2 » . فمن وظيفة الأنبياء ان يغادروا مهبط العذاب . فبناء على هذا القانون السماوي غادرهم يونس ولكن من غير استيذان خاص من اللّه في ذلك ، علما منه بأن ذلك من وظيفته المتعينة عموما ولا حاجة إلى مراجعة أخرى خاصة ! هذا هو الذي أخذه اللّه عليه وحسبه ترك أولى منه لم يكن ينبغي صدوره من مثله وهو نبي كريم . وهذا معنى قوله تعالى :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
أي كان على يقين من أن ذلك من وظيفته الخاصة فلا نؤاخذه عليها ولا نتضايق بشأنه من أجلها . لكنه لما علم بخطإ ظنه وانه قد ترك الأولى بشأنه اغتم اغتماما بالغا وأخذ في الاستغفار والضراعة إلى اللّه تعالى ان يغفر له تلك البادرة التي فرطت منه . قال تعالى - مناصحا لنبيه ان لا يستعجل في مغادرة قومه من مكة -
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ
- حيث استعجل الخروج -
إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ
هامش
( 1 ) الأنبياء 87 - 88 . ( 2 ) الأنفال : 33 .