ولعل القاء الدعوة بتلك الصورة كان - أيضا - لأجل اختبار داود ، هل تغلبه صورة الدعوى المغرية ؟ وهل تثير من عواطفه الرقيقة ضد المحكوم ؟ فإذا كان الأمر كذلك كان بعد لم تنضج صلاحيته للقضاء العدل الذي يريده اللّه .
ثالثا : سكوت المدعى عليه محضا تجاه الغوغاء التي اثارها خصمه ، وهو لا ينبس ببنت شفة ، كل ذلك كانت بواعث للحكم ضده في بادئ الأمر .
لكن داود ( عليه السلام ) بعد ان تسرع إلى الحكم - فرضيا - رجع إلى رشده على فوره ورأى بنور اللّه انه لم يكن ينبغي منه ذلك التسرع ، ولا بدّ ان يستمع إلى الخصم ، ولعله ذو حجة قاطعة ، ومن ثمّ استغفر اللّه على بادرته تلك ، وان لم تكن معصية حيث لم يحكم حكم قضاء ، وانما أبدى رأيه الشخصي إزاء تلك الدعوى على فرض صحتها تقديرا .
فلم تكن تلك الظاهرة سوى رحمة من اللّه عليه وعناية خاصة به ، تمهيدا لاستخلافه في الأرض ، الذي جاء ذكره تعقيبا على الآيات المذكورة
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
« 1 » .
نعم ، قد يكون في التمثيل بالنعاج ، خصوصا في تلك النسبة المرتفعة ، تنبيه آخر لداود ، روى أنه خطب امرأة وكان قد خطبها أيضا آخرون ، فأراد أهلها ان يزوجوها من داود اجلالا لمقامه الكريم ، وهو لا يدري بالأمر ، فنبهه اللّه عليه كي لا تدخل عليه شنعة من الناس فيحسبوه متدخلا في سوم الآخرين « 2 » .
فتنة سليمان :
قال تعالى :
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) ص : 26 .
( 2 ) انظر : مجمع البيان - الوجه الأول - ج 8 ص 472 .
( 3 ) ص : 34 .