ما جاء في لفظ التوراة المحرفة في حياكتها الفظيعة « 1 » التي يرفضها العقل السليم وحاشا داود من نبي كريم ! وكل ما يدل عليه ظاهر القرآن أنه تعالى أراد أن يمتحن عبده داود في القضاء العدل ويدرّبه عليه تدريبا ، حتى في أشد الحالات عليه ، فجعل من الملكين في صورة خصمين يهجمان عليه المحراب ، وهو منشغل بخلوته مع ربه ، ومن ثمّ افزعته تلك المباغتة الغريبة ، وتسرع في الحكم قبل أن يتأكد من توفر شروطه أجمع ، حتى ولو كان بصورة فرض ، لأنه كان بمحضر المدعى عليه ، وربما أوجب انفعالا في نفسه فيتقاعس عن الدفاع عن نفسه ، لظنه ان الحكم حتم لخصمه فلا فائدة في الدفاع .
هذا ولا سيما وقد ألقيت الدعوى بصورة تستجلب الحكم للمدعي في بادئ النظر ، خصوصا والمدعى عليه ساكت لا يتكلم .
والخلاصة : ان بواعث التسرع بأخذ جانب المدعي حينذاك كانت متوفرة أولا : هجوم الخصمين عليه بتلك الصورة المفزعة ، وهي تحول دون رجوع العقل إلى رشده ، ولا يملك أي انسان وعيه إذا ما ملكه الفزع وفاجأه رعب مهول . وربما يتخذ تدبيرا هو بمعزل عن رشد العقل ، ومن ثمّ كان من آداب الحكم ان لا يكون القاضي منشغل الذهن بهواجس ولا مرتاعا في أمره .
ثانيا : القاء الدعوى بتلك الصورة المغرية ، انه يملك نعجة واحدة ، وخصمه يملك تسعا وتسعين نعجة ، وطلب اليه ان يضم نعجته إلى نعاجه ، من غير ما سبب معقول ، سوى انّه يملك أكثر بتلك النسبة العالية .
ولا شك ان الدعوى إذا كانت بتلك الصورة كان الحق مائة بالمائة مع المدعي ، ويكون المدعى عليه ظالما له .
هامش
( 1 ) انظر : العهد القديم - صموئيل الثاني - الأصحاح الحادي عشر والأصحاح الثاني عشر . ( الكتاب المقدس ص 497 - 500 ) .