تخفى على نبي اللّه موسى ( عليه السلام ) . وأخيرا اعترافه بأن وراء هذه الظواهر حكمة بالغة وفوائد تربوية جليلة ، تخضع لها نفوس مستسلمة سليمة فتهتدي إلى معالم الحق ، وان كان قد يزيد في ضلال من زاغ قلبه وأعمى بصره .
قوله : « ان هي الا فتنتك » أي ابتلاؤك وامتحانك للناس ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة .
وقوله : « أتهلكنا بما فعل السفهاء منا » استرحام وطلب للعفو عما فرط منهم في جنب السفهاء ، حيث واكبوهم في سفاهتهم وداهنوهم في غفلتهم . ولم يقصد موسى ( عليه السلام ) نفسه ، وانما عنى الرجال السبعين الذين اختارهم للميقات ، أهلكتهم الرجفة بمجاملتهم مع سفهاء القوم .
واللام في قوله : « ليضلوا عن سبيلك » هي لام العاقبة مثلها في قوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
.
وهذا تمهيد للدعاء عليهم بالهلاك والدمار ، حيث كفروا بنعم اللّه عليهم ولم يقدروها ، بل وأخذوا يستغلونها في سبيل اضلال العباد والصدّ عن سبيل اللّه .
وقال تعالى :
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
« 1 » .
أليس هذا من طلب المستحيل ؟
وقد تقدم الجواب عن ذلك ، بأنه من باب تجاهل العارف ، على أثر ضغط من قومه الجاهلين . فقد ورد ان لسانه لم يطق النطق به ، فأوحى اللّه اليه :
يا موسى سلني ما سألوك فلا مؤاخذة عليك بجهلهم ، فعند ذلك تجرأ موسى على أن ينطق به « 2 » .
هامش
( 1 ) الأعراف : 143 .
( 2 ) راجع الصفحة : 98 .