فنبهه اللّه تعالى بخطائه في التشخيص ، وانه من المستثنى ، وانه ليس من ذلك الأهل الموعود نجاتهم . ولم يكن نفيا لبنوته رأسا ، وذلك لأنه تعالى أقره في قوله : « ونادى نوح ابنه » . فلولا انه ابنه الحقيقي لما صحّ هذا التعبير بشأنه .
ولكان من حق التعبير ان يقول : « ونادى نوح من كان يزعم أنه ابنه » ! .
تورية إبراهيم :
1 - قال تعالى :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
- إلى قوله -
قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
« 1 » .
وهذا من باب تجاهل العارف ، وتربية عملية لقومه يعلّمهم كيف يسيرون في طريق الاهتداء إلى الحق واستجلاء الحقيقة .
2 - وقال تعالى :
قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ، فَسْئَلُوهُمْ ، إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
« 2 » .
جملة « فاسألوهم » معترضة . والشرط قيد - في واقعه - لقوله : « بل فعله كبيرهم » . وهذا من لطيف التورية في الكلام . حيث ظاهر الكلام ان الشرط قيد لجملة الأمر بالسؤال ، لكنه انما قصده قيدا لجوابه عن سؤال قومه .
وفي هذه التورية فائدة تنبيه ضمائرهم على أن معبودهم الذي اصطنعوه لا يستطيع عملا ولا ينطق كلاما ، وهو تعبير لطيف وتوبيخ .
3 - وقال تعالى :
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ
« 3 » . وهذه مجاملة مع قومه من غير مداهنة ودجل ، حيث كانت النظرة في النجوم والتنبّؤ بها رائجة على عهده ( عليه السلام ) فأراد مماشاتهم في ذلك استجلابا لنظرهم ، في حين أنّ النظر في النجوم والتدبر في آياته تعالى مرغوب اليه في الشريعة .
هامش
( 1 ) الانعام : 76 - 78 .
( 2 ) الأنبياء : 63 .
( 3 ) الصافات : 88 - 89 .