وأمّا ان كان الأمر ارشادا إلى مصلحة شخصية تمس شخص المأمور ، من غير ما مساس بجوانب الآمر بتاتا ، كما في أوامر الطبيب بالنسبة إلى المريض المتداوى عنده ، فان مخالفته أيضا عصيان وربما يقبحه العقلاء ويذمونه ، لكن من غير ما خروج عن مرسوم العبودية ولا طغيان على المولى الكريم ، ومن ثمّ لم يجز عقابه ولا مؤاخذته بالشدة والعذاب .
وبما ان عصيان آدم كان من النوع الأخير ، فلم يوجب ابتعاده عن ساحة قدسه تعالى ، حيث لم يطغ على مولاه ولم يخرج عن اطار عبوديته تجاه رب العالمين .
رابعا : أمّا وسوسة إبليس فلم تعد ان دلاهما بغرور ، من غير أن تكون له سلطة عليهما ، فضلا عن أن آية الحجر انما تنفي تأثيره على الأنبياء فيما يخص اغواءهم بشأن معصية اللّه ، أمّا خلق العراقيل في طريقهم وايقاعهم في النصب والعناء ، فهذا شيء لا تنفيه الآية ، كما في قوله :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ
« 1 » .
خامسا : قوله تعالى :
فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
أي غفل وصيتنا وعهدنا اليه بان لا يقرب تلك الشجرة . و « عزما » أي ثباتا على العهد .
وقوله : « فتشقى » أي تقع في تعب العمل وكد الاكتساب ، بعد هذا الرغد من العيش الفاره .
وقوله : « فغوى » أي خاب حظه وحرم عن العيش الرغيد الهنيء . كما في قول الشاعر :
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
وقوله : « ظلمنا أنفسنا » أي بخسناها وحرمناها حظها .
وقوله : « فتاب عليه » أي أعاد عليه بعنايته وألطافه الأولى التي كاد ان
هامش
( 1 ) ص : 41 .