حيث وجدني جادا في طلب السعادة ، فساعدني برحمته ، وفق وعده الحتم
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
.
والخلاصة ، ان معنى « لم يجعلني جبارا شقيا » : انه تعالى علم مني الرغبة في التخضع والبلوغ إلى عزّ السعادة ، فساعدني على ذلك وزاد في توفيقه حتى بلغتها بعنايته تعالى .
والجعل وان كان بمعنى التكوين ، لكن حيث كانت أصل الهداية إلى طرق السعادة ، وكذا المعونة على الوصول إليها ، حاصلة بفعله تعالى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ
صحت نسبة تكوين شخصية الانسان المهتدية السعيدة إلى اللّه عزّ شأنه . فكأن شخصيته الخاصة متكونة بفعله تعالى ، حيث جميع أسباب تكوينها والاهتداء إلى طرق تكوينها ، كانت ممهدة من جانبه تعالى ، الأمر الذي لا يستعدي جبرا ولا اكراها على هداية أو ضلال .
هذا أحد التأويلين في الآية الكريمة .
وهناك تأويل آخر أشار اليه شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي - قدّس سره الشريف - قال : « ولم يجعلني جبارا » أي لم يحكم علي بالتجبر والشقاء « 1 » .
وهذا كقولهم : جعله سارقا أي حكم عليه بأنّه سارق ، بمعنى انه علم منه ذلك أو ثبت لديه انه سارق ومن ثمّ ابدى رأيه بشأنه ليكون معنى الآية على هذا التأويل : انه تعالى لما علم منه الخير والصلاح في الآجل ، حكم عليه انه من السعداء الأتقياء . أي ابدى علمه بشأنه .
وأخيرا فلو كانت السعادة والشقاء من فعله تعالى المباشري أو التسبيبي « 2 » من غير أن يكون لإرادة العبد واختياره الخاص مدخل في تحصيلهما واكتسابهما لم يكن موضع لمدح السعيد على سعادته ، ولا مجال لتوجيه اللائمة إلى الأشقياء .
في حين ان جميع ما قاله عيسى ( عليه السلام ) بهذا الصدد ، كله تحدّ وفخار ، في
هامش
( 1 ) تفسير البيان : ج 7 ص 111 .
( 2 ) حسبما قاله الفخر في آخر كلامه المتقدم .