هو الشقاء المعنوي ، ومن ثم فسروه بالشقاء الأخروي . والآية دليل على أنه أثر الضلال عن هداه تعالى والاعراض عن آياته البينة . وليس أمرا مفروضا محتما على الأشقياء .
وجاءت كلمة « تشقى » قبل الآية برقم 117 بمعنى الشقاء الظاهري « التعب والعناء » ، ولكنها في هذه الآية ( 123 ) جاءت بمعنى الشقاء المعنوي « الخباثة » وهذا من التقابل - اثباتا ونفيا - في كلمة واحدة بين معنييها المختلفين اعتبارا ، وهو من الفن البديع .
4 -
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا
« 1 » . هو من الشقاء بمعني الخبث .
قال الإمام الرازي : وهذا - أيضا - يدل على قولنا ( يعني كون الشقاء والسعادة من فعله تعالى يضعهما حيث يشاء ) لأنه لما بين انه جعله برا وما جعله جبارا ، فهذا انما يحسن لو أن اللّه تعالى جعل غيره جبارا وغير بار بأمه ، فان اللّه تعالى لو فعل ذلك بكلّ أحد لم يكن لعيسى ( عليه السلام ) مزيد تخصيص بذلك ، ومعلوم انه ( عليه السلام ) انما ذكر ذلك في معرض التخصيص « 2 » .
وقال الامام مالك : ما أشد هذه الآية على أهل القدر ( يعني المعتزلة وسائر أهل العدل المنكرين للجبر ) أخبر عيسى ( عليه السلام ) بما قضى من أمره ، وبما هو كائن إلى أن يموت » « 3 » .
هكذا زعم أهل الجبر من متفلسفة وحشوية ان العباد مضطرون فيما يزاولون لا رأي لهم ولا إرادة ولا اختيار . وانما هم مسيرون وفق ما فرض عليهم وقدر لهم في الأزل .
وأمّا أهل العدل والتنزيه فأجروا الآية الكريمة على سياق نظائرها من إرادة
هامش
( 1 ) مريم : 32 .
( 2 ) التفسير الكبير : ج 21 ص 215 .
( 3 ) تفسير القرطبي : ج 11 ص 103 .