عنايته تعالى الخاصة بخلص أولياءه الصالحين ومزيد ألطافه بشأنهم ، لما علم منهم الصلاح والثبات والاستقامة ، فأيدهم ووفقهم وجعلهم للمتقين إماما .
قال الشيخ أبو علي الطبرسي - رحمه اللّه - : « والمعنى : اني بلطفه تعالى وتوفيقه كنت محسنا إلى والدتي ، متواضعا في نفسي ، حتى لم أكن من الجبابرة الأشقياء » « 1 » .
والدليل على صحة هذا المعنى هو سياق الآية وانسجامها مع آيات قبلها وبعدها ، قال تعالى حكاية عن عيسى ( عليه السلام ) :
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا . وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
« 2 » .
فمعنى « آتاني الكتاب وجعلني نبيا » : انه تعالى اختارني نبيا . وليس اختياره تعالى أحدا لمقام رسالته إلّا إذا وجده صالحا لذلك ، أمينا صادقا وفيا .
وليس تحميلا في غير محل قابل ولا اعتباطا من غير حكمة وملاك .
وهكذا « جعلني مباركا » أي زاد في عنايته تعالى بشأني ، حيث النبيّ هو المعلم النفاع ، فأينما يتوجه فان بشائر الخير والبركات تتقدمه .
و « أوصاني بالصلاة والزكاة » أي أمرني بهما أمر تكليف .
و « برا بوالدتي » أي جعلني برا بها ، ومعنى جعلني برا ، وفقني للقيام بخدمتها حيث وجدني راغبا في أداء شكرها الواجب ، فحيث انه تعالى مهد له سبيل هذه المكرمة لما وجده محلا قابلا لها ، نسبه إلى اللّه ، حسبما مرّ في الحديث « انا أولى بحسناتك منك » . راجع شرحنا لهذه الفقرة « 3 » .
وكذلك قوله :
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا
أي لم يخذلني ولم يمنعني ألطافه الكريمة ، كي انخرط مع الجبابرة الأشقياء ، بل منحني عناياته والمزيد من توفيقه
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 6 ص 513 .
( 2 ) مريم : 30 - 33 .
( 3 ) صفحة : 181 .