وكانت الشقوة شقوة أنفسهم أي شقوة لازمة لسوء اختيارهم وأثر سيئات أعمالهم حيث أضافوها إلى أنفسهم . قال : ويشهد لذلك وقوع الآية بعد قوله :
أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ
. وتعقيبها بقوله : « ربنا أخرجنا . . .
الخ » .
قال : وانما اعترفوا بالذنب والتقصير ليتوصلوا بذلك إلى التخلص من العذاب ، وللرجوع إلى كسب السعادة ، فقد كانوا عاينوا من قبل ان اعتراف العاصي بالذنب والصغار كانت توبة له ومطهرة له من الذنب ، فكانت تنجيه من العقاب .
قال : وهذا من قبيل ظهور الملكات ، كانوا يكذبون من قبل مع ظهور الحق ومعاينته بشهود ، كذلك يكذبون ذلك اليوم تجاه رب العالمين . لاستقرار ملكة الكذب في نفوسهم
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ
« 1 » « 2 » .
ومن ثمّ جاءهم الرد القاصف :
قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
« 3 » . والدليل على أنهم يكذبون ذلك اليوم بكل وقاحة وشراسة ، قوله تعالى :
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ : أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ . مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا
( كذبا وزورا )
ضَلُّوا عَنَّا
( أي نجهلهم ولا نعرف منهم شيئا ثم بدا لهم ان ينكروا عبادتهم للأصنام رأسا انكارا صريحا ومن ثم قالوا )
بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً
« 4 » . انظر إلى هذه الوقاحة تجاه ربّ العالمين الذي لا تخفى عليه خافية في السماوات والأرض ! ! .
وقال الجبائي : « المراد ان طلبنا للّذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة ، فأطلق اسم المسبب على السبب . وليس هذا باعتذار
هامش
( 1 ) المجادلة : 18 .
( 2 ) تفسير « الميزان » ج 15 ص 74 - 75 .
( 3 ) المؤمنون : 108 .
( 4 ) غافر : 73 - 74 .