موبّخا إياهم :
أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ
. فكأنهم حاولوا بذلك ابداء الاستعذار ، أي بلى تليت آياتك غير أن شقاءنا النفسي المسيطر على وجودنا ومشاعرنا ، غلبنا ولم يدعنا نجيب دعوتك فضللنا ! ! .
وربما تمسكت الأشاعرة بهذه الآية - أيضا - دليلا على الجبر وعدم استطاعة العباد على الايمان وعلى الاستقامة على طريق الهدى ، إلّا ان يكون حافز من خارج ذاتهم ، حسبما كتبه رب العالمين من سعادة أو شقاء ! ورووا عن مجاهد في قوله : « غلبت علينا شقوتنا » قال : التي كتبت علينا « 1 » .
قال أهل العدل والتنزيه : هذا الذي رامه أهل الجبر تحريف بظاهر الآية وتأويل بمدلولها من غير ما سبب معقول . لأن ظاهر الآية الكريمة أنّ العصاة انما قالوا ذلك اعترافا منهم بعدم الحجة لهم وان لا عذر لهم في الاعراض والتولي .
بدليل انهم أضافوا الشقوة إلى أنفسهم « شقوتنا » الأمر الذي يدل على أن لهم في اكتسابها يدا ، وانها كانت من صنيع أعمالهم السيئة التي ارتكبوها .
ولو كانت الشقوة مما سجلت عليهم في الأزل الزاما والجاء لكانت عذرا لهم البتة ، ولكان لهم ان يقولوا : انهم من صنيعك يا ربنا ولا حجة لك علينا .
والخلاصة ان الآية - حسب اقرار كبار المفسرين وعلماء الأدب والبيان ظاهرة في الاعتراف باتمام الحجة عليهم وانهم بسوء اختيارهم فعلوا ما فعلوا ومن ثمّ هم نادمون على ما فرط منهم ، راجين منه تعالى ان يمن عليهم بالعودة لاصلاح ما افسدوه من قبل ، واستدراك ما فات .
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ
« 2 » .
قال سيدنا الطباطبائي - دام ظلّه - : هذا اعتراف منهم بتمام الحجة عليهم
هامش
( 1 ) رواها محمد بن جرير الطبري بعدة أسانيد ، انظر التفسير : ج 18 ص 44 .
( 2 ) المؤمنون : 107 .