وقلت : يا رسول اللّه ، فعلى ما ذا نعمل ؟ على شيء قد فرغ منه ، أم على شيء لم يفرغ منه ؟ فقال : « على شيء قد فرغ منه يا عمر ، وجفت به الأقلام ، وجرت به الأقدار ، ولكن كلّ ميسر لما خلق له » « 1 » .
ثمّ قال : وقالت المعتزلة : « نقل عن الحسن أنّه قال : فمنهم شقي بعمله وسعيد بعمله » .
وأجاب بأن الدليل القاطع ( الذي اقامه - فيما زعم - على اثبات الجبر ) لا يدفع بهذه الروايات ! وقال - أخيرا - : وأيضا فلا نزاع أنّه انما شقى بعمله ، وانما سعد بعمله ، ولكن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء اللّه وقدره ، كان الدليل الذي ذكرناه باقيا « 2 » .
قلت : أمّا الرواية التي رووها عن ابن الخطاب فلا نعتمدها نحن بالذات أوّلا - لضعف الاسناد ، لان في طريقها سليمان بن سفيان عن عبد اللّه بن دينار . وقد ضعفه أئمّة النقد والتمحيص « 3 » .
ثانيا - لمخالفتها لأصول العدل والحكمة في ذاته تعالى المقدسة .
ثالثا - وعلى فرض تسليمها فلا بدّ من تفسيرها بما لا يتنافى مع مذهب العدل . قال الشيخ محمد عبده : ومعناه - الذي غفل عنه أو جهله الكثيرون على ظهوره - : ان اللّه يعلم الغيب ، وعلمه بان زيدا يدخل الجنة أو النار ، ليس معناه انه يدخلها بغير عمل يستحقها به بحسب وعده وحكمته ، ولا أنّه لا فرق فيما يعمله في الجزاء . وانما يعلم اللّه المستقبل كله بجميع اجزائه وأطرافه ، ومنه عمل العاملين وما يترتب على كلّ عمل من الجزاء بحسب وعده ووعيده في كتابه
هامش
( 1 ) هذه الرواية رواها جميع أرباب التفسير وغيرهم من محدثي العامة . انظر : الطبري - التفسير - : ج 12 ص 70 .
( 2 ) التفسير الكبير : ج 18 ص 60 - 61 .
( 3 ) انظر : المغني في الضعفاء للذهبي : ج 1 ص 280 برقم 2590 .