تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
يخلقهم ليعصوه . وذلك قوله - عز وجل -
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
. فيسر كلا لما خلق له فالويل لمن استحب العمى على الهدى » « 1 » . هذا من جلائل أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) - وهم أدرى بما في البيت - وهو يؤكد تماما ما ذكرنا : ان أحدا لم يقدّر له أن يكون شقيا أو خبيثا . وقوله أخيرا : « فيسر كلا لما خلق له » إشارة إلى قوله تعالى :
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
« 2 » أي ان اللّه تبارك وتعالى انما خلق العباد ليعبدوه وليختاروا طاعته على معصيته ، ومن ثمّ أقدرهم على كلا الأمرين ويسر لهم طرق الامتثال لتكون اطاعتهم عن اختيار وعبادتهم عن رغبة وإرادة ، وهكذا كانت منحة الاختيار لحكمة التكليف والاختيار ، إلّا ان من العباد من يستغل هذه المنحة الإلهية في اغراض مخالفة فيستعمل من قدرته وقواه ، في اتجاه معاكس لغرضه تعالى . فويل له من هذه الاستفادة السيئة . وقد جاء هذا المعنى في أحاديث كثيرة ، منها : ما رواه البزنطي عن الإمام ( عليه السلام ) فيما نقله من الحديث القدسي : « يا ابن آدم ، بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء ( أي الاذن منه تعالى ) وبنعمتي ادّيت إلى فرائضي ، وبقدرتي قويت على معصيتي خلقتك سميعا بصيرا . انا أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيئاتك مني . . . الخ » « 3 » . وفي حديث الزنديق ، سأل الامام أبا عبد اللّه الصادق ( عليه السلام ) فقال : أخبرني عن اللّه ، كيف لم يخلق الخلق كلهم مطيعين ؟ قال : لو خلقهم مطيعين لم يكن ثواب ، لان الطاعة إذا لم تكن من فعلهم لم تكن جنة ولا نار .
هامش
البخاري ج 9 ص 195 ) . وقد أخذت الأشاعرة - وهم جل أهل السنة - من هذه الأحاديث دليلا على مذهبهم في الجبر ، حسبما يأتي . ومن ثم فان الإمام ( عليه السلام ) مع اقراره لأصل الحديث يخطؤهم في فهم معناه وان له تفسيرا يتوافق مع عدله وحكمته تعالى على ما بيّنه الإمام ( عليه السلام ) . ( 1 ) كتاب التوحيد للصدوق : ص 366 . والبحار : ج 5 ص 157 رقم 10 . ( 2 ) عبس : 20 . ( 3 ) قرب الإسناد : ص 151 . والبحار : ج 5 ص 54 رقم 3 .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 359 | الشيخ محمد هادي معرفة