لكنه تعالى خلقهم فأمرهم ونهاهم ، ليكونوا هم الذين يطيعون ويعصون .
الزنديق : أليس العمل الصالح والعمل الشر من فعل العبد ؟ .
الامام : العمل الصالح يفعله العبد واللّه أمره به ، والعمل الشر يفعله العبد واللّه نهاه عنه .
الزنديق : أليس فعل العبد بالآلة التي ركبها فيه ؟
الامام : نعم ، ولكن بالآلة التي عمل بها الخير ، قدر بها على الشر الذي نهاه . . . الخ « 1 » .
وبعد فاليك من آيات السعادة والشقاء نماذج :
1 - قال تعالى :
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
« 2 » .
زعمت الأشاعرة - وهم جبرية خالصة على ما أسفلنا « 3 » - ان هذه الآية الكريمة تدل على مذهبهم في الجبر ، وان السعيد من كتبت له السعادة فلا يستطيع غيرها . والشقي من كتب له الشقاء فلا يستطيع غيره ، ومن ثمّ اخبر سبحانه بان من يدخل الجنة هم السعداء ، وان من يدخل النار هم الأشقياء ! قال مفسرهم وامامهم المتفلسف الفخر الرازي - بشأن دلالة الآية - : اعلم أنه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنّه سعيد ، وعلى بعضهم بأنّه شقي .
ومن حكم اللّه عليه بحكم وعلم منه ذلك الأمر ، امتنع كونه بخلافه . وإلّا لزم ان يصير خبر اللّه تعالى كذبا وعلمه جهلا ، وذلك محال . فثبت ان السعيد لا ينقلب شقيا . وان الشقي لا ينقلب سعيدا . قال : وتقرير هذا الدليل مرّ في هذا الكتاب ( يعني تفسيره الكبير ) مرارا لا تحصى .
قال :
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال : لما نزل قوله تعالى
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
هامش
( 1 ) الاحتجاج للطبرسي : ص 186 . والبحار : ج 5 ص 18 - 19 رقم 29 .
( 2 ) هود : 105 .
( 3 ) راجع : ص 69 فيما أثبتناه عن أبي الحسن الأشعري في قوله بالجبر .