تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
بكثرة العبادة ونبذ لذائذ الحياة رأسا . وقال :
فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى
« 1 » أي فتتعب وتقع في عناء العيش بعد هذا الرغد والمرفهية . كما ورد في الحديث : « من سعادة المرء سعة داره ، ومن شقاءه ضيق داره » أي من قدّر له الرفاه في هذه الحياة كان من دلائله ان ينعم بسعة في داره ، ومن قدر له الضيق في الحياة ، كان من دلائله ان يرزق بدار ضيقة . إذ ليست سعة الدار ولا ضيقها مما يرتبط ومسألة السعادة والشقاء بمعنى طيب النفس وخبثها ، ومن ثمّ جاء في رواية أخرى : « من شقاء العيش ضيق المنزل » أي من سوء الحظ في الحياة أن تكون دار سكنى الانسان ضيقة « 2 » . إذن فالسعيد - على هذا التفسير - هو صاحب الحظ الوفير في هذه الحياة والشقي : المحروم التعيس . ونحن قد فسرنا الحديث المأثور « السعيد من سعد في بطن امّه ، والشقي من شقى في بطن أمه » « 3 » - في بعض المجالات - بهذا المعنى الثاني « 4 » . أي من قدر له الرفاه في هذه الحياة فان دلائله تبدو من حين انعقاد نطفته ، فإنه ينعم برفاه في نفسه وفي امّه فتقضي دور حملها به في ارتياح ورغد من العيش الهنيء . أمّا التعيس المحروم فان تعاسته لتسري إلى حالة امّه ، لتقضي دور حملها في عناء وعطب وقلق نفسي واضطراب . ولعل الاطلاق الاوّل من السعادة والشقاء ، استعارة من هذا المعنى ، تشبيها لغير المحسوس بالمحسوس ، فالسعيد الطيب النفس مرفه عليه نفسيا ، انه يعيش في آفاق متسعة الأبعاد ، في طمأنينة من الحياة وارتياح . « الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم » والشقي الخبيث يعيش في قلق وحرج واضطراب نفسي ، في إطار ضيق
هامش
( 1 ) طه : 117 . ( 2 ) مكارم الأخلاق للطبرسي ، والوسائل أبواب أحكام المساكن : ج 3 ص 557 - 560 . ( 3 ) بحار الأنوار ج 5 ص 153 رقم 1 نقلا عن أمالي الصدوق . ( 4 ) وللحديث تفسير آخر سيأتي في حديث ابن أبي عمير مع الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 357 | الشيخ محمد هادي معرفة