تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
تحقيقا لجانب حكمته تعالى وعدله ، لا مساس له بمسألة الجبر واضطرار العباد على أفعالهم الاختيارية . ولعلك بمراجعة ما أثبتنا في مسألة الأمر بين الأمرين عرفت مدى دقة هذه المسألة المنطوية على سر الوجود على الاطلاق ، إذ معرفة ما بين وجود الموجودات طرا ، وتأثيره تعالى في ذلك ، من أدق المعارف الاسلامية العليا ، قد كابد العلماء الأمرّين حتى عثروا على حقيقتها ووقفوا على كنهها ، على ما نبهنا . وهذا هو السر في النهي عن ولوجها ، ولكن نهيا موجها إلى أولئك القاصري النظر من ذوي المعلومات الهابطة أو الضئيلة في مجالات العلوم الاسلامية الأصولية ذلك العهد . وإليك نماذج منها : 4 / 1 - سأل رجل الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن القدر ، فقال : « بحر عميق فلا تلجه » . فسأله ثانية ، فقال : « طريق مظلم فلا تسلكه » . فسأله ثالثة ، فقال : « سر اللّه فلا تتكلفه » « 1 » . 5 / 2 - وفي نهج البلاغة : قال - وقد سئل عن القدر - : « طريق مظلم فلا تسلكوه وبحر عميق فلا تلجوه ، وسر اللّه فلا تتكلفوه » « 2 » . 6 / 3 - وقال - أيضا - : « الا ان القدر سر من سر اللّه ، وحرز من حرز اللّه مرفوع في حجاب اللّه ، مطوي عن خلق اللّه ، مختوم بخاتم اللّه ، سابق في علم اللّه وضع اللّه عن العباد علمه ، ورفعه فوق شهاداتهم ومبلغ عقولهم » . هذا النهي الوارد في كلام الإمام ( عليه السلام ) ينظر إلى أولئك المستضعفين . ممن تقصر أفهامهم عن الخوض في مسائل الوجود ، وفي خلق اعمال العباد ، فإنه ربما افضى ذلك بهم إلى القول بالجبر ، لما في ذلك من غموض ومزالق ، تحتاج السلامة منها إلى دقة ومعرفة كاملة ، كان أبناء ذلك
هامش
( 1 ) كتاب التوحيد للصدوق : ص 374 . والبحار : ج 5 ص 97 و 110 . ( 2 ) شرح النهج لابن أبي الحديد : ج 19 ص 181 رقم 293 .