وقصرهما على مرّ الأيام والدهور . وهكذا قوله :
قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ
« 1 » أي تعينت فيها مقادير السير ليل نهار .
وأمّا قوله تعالى :
إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ
« 2 » ، فقد تقدّم أن المعنى : علمنا من شأنها أنها من الباقين الهالكين .
ويتلخص معنى « القدر » في « تقدير الشيء وهندسته هندسة تامة » .
وعلى ضوء هذا البيان نستطيع تلخيص القول في مسألة القضاء والقدر بما يلي :
« إنّه تعالى إذا تعلّقت ارادته بخلق شيء وتكوينه أو تشريع حكم ونفاذه ، فإنه يقدره أولا تقديرا ، ثم يقضي بوجوده وينفذه تنفيذا » . ومن ثمّ فكان الأجدر ان يقال القدر والقضاء . لان القدر - على هذا البيان - متقدم على القضاء والنفاذ .
وعليه فقضاء اللّه بالنسبة إلى أفعاله الخاصة ، هو خلقها وايجادها تكوينا :
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 3 » . وبالنسبة إلى أفعال العباد هو امره والزامه تكليفا :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
« 4 » أي أمر تكليفا وأوجب ذلك .
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
« 5 » . أي حكم وشرّع . فالمؤمن تجاه أحكام الشريعة مستسلم لا رأي له سوى الطاعة والامتثال . وهذا لا يعنى سلب قدرته وإنّما هو بعث على التسليم المحض .
وهكذا قدره تعالى هو تقديره لما يريد انفاذه من خلق أو تشريع . أي علمه بما يحتوي عليه من صلاح أو فساد ، فيوجده تكوينا أو يأمر به تكليفا ، وفق ذلك الملاك الواقعي الكامن وراء الأشياء والتكاليف .
هامش
( 1 ) سبأ : 18 .
( 2 ) الحجر : 60 .
( 3 ) آل عمران : 47 .
( 4 ) الاسراء : 23 .
( 5 ) الأحزاب : 36 .