لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ
« 1 » . ومن ثمّ كذّبهم اللّه في هذه العقيدة الفاسدة المخالفة لصريح الوجدان ، قال تعالى - تعقيبا على قولتهم تلك - :
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
.
والغريب أنّ الأشاعرة استسلمت قيادتها - بكلّ جرأة وصراحة - لهذه العقيدة المنافية للفطرة ولتعاليم الاسلام النزيهة ! قال امامهم المتفلسف : « اعلم أنّ أفعال العباد أمور ممكنة الوجود . والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلّا بسبب » . ثمّ أخذ في الاستدلال على وجوب كون هذا السبب ضروري الوجود ، وإلّا لزم المحال ( التسلسل الباطل ) . وبذلك حاول اثبات انتهاء أفعال العباد في علل وجوداتها وفي سلسلة الحاجة ، إلى ذاته المقدسة الواجب الوجود .
وأخيرا قال : « فثبت أنّ أفعال العباد ، بقضاء اللّه تعالى وقدره ، وأنّ الانسان مضطرّ في اختياره ، وأنّه ليس في الوجود إلّا الجبر » . هذا نص عبارته في باب القضاء والقدر من كتابه « المباحث المشرقية » « 2 » . وأمّا « تفسير الكبير » فقد ملأه بأحكام قواعد الجبر على أصول مذهب أبي الحسن الأشعري وأتباعه الأشاعرة « 3 » .
أمّا الفلاسفة الاسلاميون الكبار فقد فسّروا مسألة « القضاء والقدر » بعلمه تعالى الأزلي بالأشياء قبل وقوعها . قالوا : القضاء هو علمه الاجمالي بالأشياء وبالأمور الجارية عبر الوجود . والقدر هو علمه التفصيلي بذلك ، أي علمه تعالى بتفاصيل ما سيقع من الذوات والأفعال « 4 » .
قالوا : ولم يكن العلم القديم علة لحدوث الأشياء ، لا الإجمالي منه
هامش
( 1 ) الانعام : 148 .
( 2 ) الفصل الخامس من المجلد الثاني : ص 516 - 517 .
( 3 ) وقد بالغ في ذلك حتى قال بشأن سورة الأنعام : ان هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا ( في الجبر ) . التفسير الكبير : ج 13 ص 227 .
( 4 ) اللطائف الغيبية : ص 197 - 198 .