تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
وقال البيضاوي : الختم الكتم ، سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه ، لأنه كتم له والبلوغ آخره ، نظرا إلى أنّه آخر فعل يفعل في احرازه . والغشاوة فعالة من غشاه إذا غطاه ، بنيت لما يشتمل على الشيء ، كالعصابة والعمامة . قال : ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة ، وانما المراد بهما : أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرّنهم على استحباب الكفر والمعاصي واستقباح الايمان والطاعات ، بسبب غيهم وانهماكهم في التقليد ، واعراضهم عن النظر الصحيح ، فتجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها الحق ، واسماعهم تعاف استماعه ، فتصير كأنّها مستوثق منها بالختم . وابصارهم لا تجتلي الآيات المنصوبة لهم في الأنفس والآفاق ، كما تجتليها أعين المستبصرين ، فتصير كأنّها غطّى عليها وحيل بينها وبين الابصار . وسماه - على الاستعارة - ختما وتغشية . أو مثّل قلوبهم ومشاعرهم المئوفة بها ، بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها ، ختما وتغطية . قال : وقد عبر عن إحداث هذه الهيأة بالطبع في قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
« 1 » . وبالاغفال في قوله تعالى :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا
« 2 » . وبالاقساء في قوله تعالى :
وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً
« 3 » . وقال - في وجه نسبة ذلك إلى اللّه - : وهي من حيث أنّ الممكنات بأسرها مستندة إلى اللّه تعالى ، واقعة بقدرته ، أسندت إليه . ومن حيث أنها مسبّبة مما اقترفوه - بدليل قوله تعالى :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
« 4 » . وقوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ
« 5 » - وردت ناعية عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم « 6 » .
هامش
( 1 ) النحل : 108 . ( 2 ) الكهف : 28 . ( 3 ) المائدة : 13 . ( 4 ) النساء : 155 . ( 5 ) المنافقون : 3 . ( 6 ) أنوار التنزيل وأسرار التأويل للامام البيضاوي : ج 1 ص 70 - 72 .