والحقارة عليه وقد كثر التهكم في كلامه تعالى بالكفرة ، والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم ، والدلالة على أنّ مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون . وأيضا فقد سمى جزاء الاستهزاء باسمه ، كقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
« 1 » . وقوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
« 2 » . فان قلت : كيف ابتدأ قوله :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
من غير عطف على كلام قبله ؟ قلت : هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة . وفيه أن اللّه عزّ وجلّ هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ ، الذي ليس استهزاؤهم اليه باستهزاء . ولا يؤبه له في مقابلته ، لما ينزل بهم النكال ويحلّ بهم من الهوان والذّلّ « 3 » .
ومن ثمّ جاء تفسير قوله تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
« 4 » في آية أخرى بهدم بنيانهم من الأساس ، تجاه ما قاموا به من دسائس وخيانات ، قال تعالى :
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
« 5 » أي عاكستهم الواقعية ، إذ
وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ
« 6 » .
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
« 7 » . وقال تعالى موضحا لموقفه مع المنافقين الماكرين :
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ
« 8 » .
وأنت إذا قارنت بين قوله تعالى :
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
« 9 » . وقوله :
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً
« 10 » عرفت - بوضوح - أنّ المقصود من مكره تعالى هي المعاملة بالمثل بما يناقض
هامش
( 1 ) الشورى : 40 .
( 2 ) البقرة : 194 .
( 3 ) الكشاف : ج 1 ص 66 - 67 .
( 4 ) آل عمران : 54 .
( 5 ) النحل : 26 .
( 6 ) الانعام : 123 .
( 7 ) فاطر : 43 .
( 8 ) الانعام : 124 .
( 9 ) النحل : 26 .
( 10 ) الرعد : 42 .