وثانيا : لأنّه متحمّل صعوبة التكليف مع فقد العقيدة الميسّرة .
وثالثا : عيشته القلقة لا يغمض جفنيه عن ارتياح نفسي أبدا ، خوف الفضح وانكشاف واقعه الخبيث .
وهكذا صحّ التعبير بالاستهزاء لهم . انهم يحاولون الاستهزاء بالمؤمنين غير أنّ اللّه هو الذي يستهزئ بهم باقرارهم على اسلامهم الظاهري فيحمّلهم تكاليف الاسلام الشاقّة عليهم بالذات ، في حين ارعابهم بين حين وآخر بفضج دسائسهم ومكائدهم بين الاشهاد ، وجعلهم في اضطراب نفسي دائم ، وفي الآخرة لهم عذاب أشدّ وأبقى .
فالتعبير بالاستهزاء من جانبه تعالى تعبير مجازيّ ، رعاية للمشاكلة اللفظية التي هي من فنون البديع ، ولأنّه تعالى يفعل بهم ما يشبه فعل المستهزئين ، حيث يدعهم يخبطون على غير هدى ، في طريق لا يعرفون غايته ، واليد الجبارة تتلقفهم في نهايته . قال سيد قطب : كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ ، غافلة عن المقبض المكين . وهذا هو الاستهزاء الرعيب ، لا كاستهزائهم الهزيل الحقير .
وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
« 1 » .
انها معاكسة طبيعية تجابههم في أشدّ وقعتها « خذ الغايات واترك المبادئ » انه تعالى وان كان لا يخدع أحدا ولا يستهزئ بأحد ، لكنّه يردّ كيد الخائنين في نحورهم ويجعل من الواقعية بحيث تعاكس أهدافهم وتخيب آمالهم إلى ما يناقضها في نهاية المطاف .
قال الزمخشري : معنى استهزائه تعالى بهم انزال الهوان والحقارة بهم لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به ، وادخال الهوان
هامش
( 1 ) البقرة : 14 - 15 .