186 -
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
« 1 » .
أي إنّ هذا القرآن قد أخذ طريقه إلى قلوب المجرمين أيضا فسمعوه ووعوه ، وإن كان قد عارضوه ولم يؤمنوا به ، فقوله : « كذلك سلكناه » أي على انحراف قلوبهم واعوجاج مسالكها ومع علمنا بأنّهم لا يؤمنون به ، ولكن اتماما للحجّة عليهم جعلنا من نفوذ القرآن ما يقهر كلّ الحواجز ولا يحول دون اشراق أنواره أي مانع ، لطفا بالناس
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
« 2 » .
وعليه فالضمير في « سلكناه » يعود إلى القرآن . والكناية في « كذلك » تشير إلى المعلوم من حال المجرم أنّه صمود على عناده ورفض الحق .
وربّما أعاد بعضهم الضمير إلى نفس التكذيب ، والكناية ترجع إلى هيئة عدم الايمان بالقرآن ، فعلى هذه الهيئة نظمناه في قلوب المجرمين وأجريناه ، فهو لا يجري فيها الا مكذبا به ، ويظل على هيئته هذه حتى يروا العذاب الأليم .
وبهذا الوجه تمسّك الأشعري لاسناد كفر الكافر إلى اللّه سبحانه فلا يستطيع الاهتداء إلى الاسلام
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
« 3 » .
وقد تقدّم الجواب عن أمثال هذه التشبثات المنحرفة ، حيث هذه التعابير في الآيات الكريمة لا تعدو مسألة « الخذلان » الذي استوجبوه على أنفسهم بسبب اصرارهم على رفض الحقّ والإطاحة بحظّهم إلى المهوى السحيق « 4 » .
187 - وهكذا قوله تعالى :
كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ
« 5 » ، يحتمل التفسيرين ، والإجابة على الوجه الثاني هي الإجابة في الآية المتقدمة .
هامش
( 1 ) الشعراء : 200 - 201 .
( 2 ) النساء : 165 .
( 3 ) الزمر : 23 .
( 4 ) راجع صفحة : 213 - 214 و 223 - 224 وغيرها .
( 5 ) الحجر : 12 - 13 .