تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
وقد تعلّقت الأشاعرة بأمثال هذه الآيات تدليلا على أنّه تعالى هو الفاعل لأفعال العباد إذ لا يقع فعل إلّا إذا أراده اللّه ! وأجاب المعتزلة بأنه تعالى - وفق هذه الآيات - يفعل ما يريد هو ، ولا دلالة فيها على أنّه يفعل ما يريد غيره ! قلنا : إنّه تعالى بالنسبة إلى أفعال نفسه هو الفاعل لها بلا كلام . وأمّا بالنسبة إلى أفعال غيره ، فإنه تعالى يأذن لها ويوجدها بإرادته الحادثة أثر إرادة العباد ، وفق سنّته التي جرت في الخلق ، فهي أيضا من فعله تعالى لكن بهذا المعنى التبعي ، الأمر الذي يصحح نسبتها إلى فاعليها وإلى اللّه جميعا ، حسبما تقدّم ( ص 177 ) تحقيقه . 174 -
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً
« 1 » . أي بيّنّا كيفية تعبدهم . ولا دلالة لها على أنّه تعالى هو خالق العبادة . وهذا نظير قوله - فيما بعد - :
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
« 2 » أي نحن فرضناها وبيناها لكم . ومن ثمّ فإنّ الآية بنفس التعبير جاءت في موضع آخر مع زيادة هي ضاربة على أيدي المتطاولين لتحريف الكلم :
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ
« 3 » . 175 -
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
« 4 » . لا يدلّ على أنّه بالمباشرة والالجاء . وانما هو بتمهيد مقدّماته من تشريع وترغيب وأخيرا توفيق وتسديد لمن يريد اللّه غلبه ، وخذلان المغلوب وحرمانه عن ألطافه الكريمة . وهكذا انتصر المؤمنون على الكافرين بفضله تعالى ومنّه . 176 -
رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
« 5 » . ابتهال إلى اللّه أن يمنّ عليه بألطافه الخاصّة ويسدّد خطاه إلى الصواب أبدا . وهذا طلب توفيق لا الجاء فيه البتة .
هامش
( 1 ) الحج : 34 . ( 2 ) الحج : 36 . ( 3 ) الحج : 67 . ( 4 ) الحج : 40 . ( 5 ) المؤمنون : 94 .