وهذه الآية الكريمة كناية عن كمال عزّته تعالى
يَفْعَلُ ما يَشاءُ
و
يَحْكُمُ ما يُرِيدُ
« 1 » . لكنها عزة مشفوعة بالحكمة والعدل ، ومن ثمّ فهو تعالى عزيز حكيم . عزيز لا يغلب على أمره ولا يعجز عن تنفيذ ارادته . حكيم لا يفعل إلّا الصواب ولا يحكم إلّا بالحق ولا يهدي إلّا إلى سواء الطريق .
قال أهل العدل : لمّا كان تعالى عالما بقبح القبائح ، وكان غنيا عن فعل القبيح اطلاقا ، استحال أن يقع منه قبيح . فقد عرفنا - إجمالا - بأنّ كلّ ما يفعله تعالى حكمة وصواب . وبعد هذا العلم لا موضع للسؤال الكاشف عن جهل في نفس السائل . اللهم إلّا عن تفاصيل يريد أن يعرفها في ذات المسؤول عنه .
وقال المفسّرون : السؤال عن الفعل هو قولنا لفاعله : « لم فعلت كذا ؟ » .
وهو سؤال عن جهة المصلحة في الفعل إذا كانت مجهولة للسائل . أمّا الفعل المعلوم مقارنته مع المصلحة ، فلا مؤاخذة عليه عند العقلاء . واللّه تعالى لمّا كان حكيما على الاطلاق - كما وصف به نفسه في مواضع من كلامه - والحكيم هو الذي لا يفعل فعلا إلّا لمصلحة مرجحة ، لم يكن موضع للسؤال عن فعله ، وهذا على خلاف غير الحكيم ، الذي يحتمل بشأنه العبث والصواب والصلاح والفساد ، فجاز في حقه أن يسأل عما يفعله ليؤاخذ على عمله ان ذما أو عقابا إذا لم يكن مقرونا بمصلحة .
وروى الصدوق في كتاب « التوحيد » عن الإمام محمد بن علي الباقر ( عليه السلام ) « سئل : كيف لا يسأل عمّا يفعل ؟ فقال لأنّه لا يفعل إلّا ما كان حكمة وصوابا » « 2 » .
قال الزمخشري : إذا كانت عادة الملوك الجبابرة أن لا يسأل عن أفعالهم تهيبا لجانبهم وإجلالا لعزّتهم ، مع جواز الخطأ والزلل عليهم ، كان ملك الملوك
هامش
( 1 ) الجملة الأولى مقتبسة من قوله تعالى :كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ- آل عمران : 40 والثانية من قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ- المائدة : 1 .
( 2 ) تفسير الصافي للحكيم الفيض : ج 2 ص 88 .