165 -
قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
« 1 » . القراءة الصحيحة المعروفة هي بسكون اللام في « خلقه » ليكون بمعنى « خلقته » أي صورته وشكله ووجوده ، مفعولا ثانيا لأعطى . فمعنى الآية : ربّنا الذي أفاض على الأشياء وجوداتها أولا ، ثمّ هداها إلى طرق معايشها . وهي هداية تكوينية جعلت في جبلة الأشياء - حسبما تقدم .
والمقصود من الأشياء - هنا - هي الموجودات العينية بقرينة « ثمّ هدى » .
الأمر الذي يتنافى وشمول « كل شيء » للأفعال الاختيارية ، كما زعمه الأشعري ضاربا على وتره .
166 -
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 2 » . طال ما تشبّث الأشعري بهذه الآية لنفي لزوم الحكمة فيما يفعله تعالى ، زاعما دلالتها على عدم مسئوليته تعالى تجاه أفعاله ، ان حسنا وان قبيحا إذ لا حسن ولا قبح ذاتيين ، وانما هما بالوجوه والاعتبارات .
قال : القبيح منه تعالى حسن ، وإنّما يقبح إذا كان من غيره « 3 » والجواب : انّه قد ثبت بالبرهان القاطع وبالضرورة من الدين ، أنّه تعالى حكيم لا يفعل عبثا ولا يخلق ما لا فائدة وراءه ولا غرض في الايجاد :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ . لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ . بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ، وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
« 4 » .
اذن فانّما لا يسأل تعالى عمّا يفعل ، للقطع بأنّ جميع ما يفعله صواب وكان وفق الحكمة والمصلحة الداعية إلى الايجاد ، فكلّ ما يفعله تعالى حسن بلا ريب .
وإنّما يسأل عن السبب الداعي ، إذا كان الفاعل ممّن يصدر عنه قبيح إلى جنب اعماله الحسنة . الأمر الذي لا يحتمله أفعال الحكيم على الاطلاق .
هامش
( 1 ) طه : 50 .
( 2 ) الأنبياء : 23 .
( 3 ) راجع كلامه في اللّمع ص 116 - 117 . نذكره في الملحق رقم 2 ص 464 .
( 4 ) الأنبياء : 16 - 18 .