وليس هذا دليلا على أنّه تعالى هو الفاعل لأفعال العباد ، نعم هو تعالى خالق لأفعالهم بمعنى أن سنته جرت في ايجاد ما يريد العباد ايجاده ، بإرادة حادثة أثر إرادة العباد . ومن ثمّ صحت نسبة الافعال إلى اللّه كما صحّت نسبتها إلى العباد أنفسهم نسبة حقيقية لا استعارة ولا مجاز « 1 » .
154 -
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ
« 2 » . قالوا : هذا يدلّ على أنّه تعالى هو يخلق في قلب العبد الجهل والغفلة ويمنعه من الايمان ! قلنا : لو كان كذلك لما صحّ توجيه الملامة اليه والاستنكار . والآية الكريمة توبيخ لاذع وطعن وتقبيح .
والمراد : من تغافل عن قبول الهدى فخذله اللّه ،
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
. ومن ثمّ كان تعقيب الآية :
وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
أي سرفا وتضييعا .
155 -
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
« 3 » .
قالوا : هذا يدلّ على أنّ الكفر والايمان كليهما من قبله تعالى .
قلنا : بل على العكس أدلّ . لأنّ صريح الآية : أنّ اللّه يهدي إلى الحق ، فمن شاء قبل ومن شاء رفض ، حيث لا اكراه في الدين ولا الجاء في التكليف .
فدلالة الآية على اختيارية الايمان والكفر أوضح .
156 -
إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
« 4 » تقدّم الكلام عنها في نظائرها في عدة مواضع سابقة . منها الأخير برقم : 147 ص 286 .
157 -
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
« 5 » تقدّم الكلام في نظيرتها برقم : 148 ص 286 .
هامش
( 1 ) راجع : مسألة التوحيد في الافعال ص 173 . ومسألة الأمر بين الأمرين ص 174 فما بعد . ومسألة إرادة اللّه الحادثة ص 183 . وغيرها من مسائل مرتبطة .
( 2 ) الكهف : 28 .
( 3 ) الكهف : 29 .
( 4 ) الكهف : 57 .
( 5 ) الكهف : 101 .