هو بفعل اللّه ، ولولاه لم يكد يثبت كما كان لم يؤمن .
قلنا : ثلاث آيات ( 73 و 74 و 75 ) نزلن بشأن مشركي قريش ، عرضوا على النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) مسالمته مع آلهتهم فلا يذكرهم بسوء ، فيتوافقوا معه ولا ينابذوه في دعوته . فنزلت الآيات ردعا لاذعا لمثل هذا الاقتراح المنافق ، وتيئيسا قاطعا لأمل المشركين ، فلا يطمعوا في رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) وهو داعية التوحيد الخالص ، ونبذ الشرك وعبادة الأصنام قطعا في جذورها .
فلا يجامل فيما يناقض دعوته إلى اللّه وحده لا شريك له « 1 » .
ذكر الشيخ أبو علي الطبرسي وجوها في سبب نزول الآيات ، منها : ان قريشا أتوا النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) فقالوا له : كفّ عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا « 2 » واطرد هؤلاء العبيد والسقّاط « 3 » الذين رائحتهم رائحة الصنان « 4 » حتى نجالسك ونسمع منك فطمع النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) في اسلامهم ان وافقهم على بعض ما يقولون . فنزلت الآيات ردعا له ( صلّى اللّه عليه وآله ) فلا ينبغي لنبي ان يجامل في دينه أو يداهن أحدا في مقترحة المخالف لأصول التعليم الديني الحنيف « 5 » .
وهذا التشديد في لحن الآيات يستهدف قطع أمل المشركين في أي مساومة مع النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) قطعا صارما . كما هو تهديد صريح بمن يهم مجاملة مع أعداء الدين أيا كان وأيا كانوا ، من باب « إياك أعني واسمعي يا جارة »
هامش
( 1 ) راجع : الجزء الأول من كتابنا ص 190 .
( 2 ) الأحلام : جمع الحلم - بكسر الحاء - وهو العقل .
( 3 ) السقاط : جمع الساقط - كطلاب وطالب - بمعنى المبتذل الفاقد للشخصية الاجتماعية .
( 4 ) الصنان - كغراب - ذفر الإبط ، والنتن عموما .
( 5 ) مجمع البيان : ج 6 ص 431 . وانما اخترنا هذا الوجه - وهو ثاني وجوه خمسة ذكرها الطبرسي - لقوته وموافقته مع ظاهر القرآن ، والتئامه مع موقف النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) المعصوم من الخطأ والزلل لا في عقيدته ولا في سلوكه اطلاقا .