تدميرا » يقول : فخربناها عند ذلك تخريبا وأهلكنا من كان فيها من أهلها اهلاكا . . . « 1 » .
ولم يرتض الزمخشري هذا الوجه باطلاق ، وقال في ذلك كلاما دقيقا ننقله بنصه : - قال : فان قلت : هلّا زعمت أن معناه : أمرناهم بالطاعة ففسقوا ؟ قلت :
لا ، لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز ، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه ! وذلك أن المأمور به انما حذف لأنّ « فسقوا » يدل عليه ، وهو كلام مستفيض ، يقال : أمرته فقام ، وأمرته فقرأ ، ولا يفهم منه إلّا أنّ المأمور به قيام أو قراءة . ولو ذهبت تقدّره غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب .
ولا يلزم على هذا قولهم : أمرته فعصاني أو فلم يمتثل أمري ، لأنّ ذلك مناف للأمر مناقض له ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورا به ، فكان محالا ان يقصد أصلا ، حتى يجعل دالّا على المأمور به ، فكان المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه ولا منوى ، لأنّ من يتكلّم بهذا الكلام فانّه لا ينوي لأمره مأمورا به ، وكأنّه يقول : كان مني أمر فلم تكن منه طاعة « 2 » .
كما أنّ من يقول : فلان يعطي ويمنع ، ويأمر وينهى ! غير قاصد إلى مفعول .
فان قلت : هلّا كان ثبوت العلم بأنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء ، وإنما يأمر بالقصد والخير دليلا على أنّ المراد : أمرناهم بالخير ففسقوا ؟ قلت : لا يصحّ ذلك ، لأنّ قوله : « ففسقوا » يدافعه ، فكأنك أظهرت شيئا وأنت تدّعي اضمار خلافه ،
هامش
( 1 ) جامع البيان للطبري : ج 15 ص 43 .
( 2 ) هذا هو بالذات مقصود من يقدر في الكلام « الطاعة » أي امرته بشيء يستدعي طاعة ، لكنه خالف وعصى . ولا يقصد « أمرته بنفس الطاعة » . إذ الأمر بالطاعة يكون بلفظ « أطع » مسبوقا بأمر آخر تعلق بشيء آخر . فالمأمور به في الآية لا مقدر ولا منوى ، وانما المقصود مجرد توجه أمر إليهم بما يستدعي وجوب امتثالهم والقيام بما القى إليهم من وظائف وتكاليف ، لكنهم لم يمتثلوها وقاموا في مخالفتها ومعاكستها . كما في « دعوته فأبى » و « أمرته فعصى » .