تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
فعل ما يريد وترك ما يكره ، لما كان لمثل هذا الكلام في مثل هذه اللهجة المهددة موضع صحيح . ولا سيما وتعقيبها بآية هي أشد صراحة في مسؤولية الانسان ذاته عما يرتكبه من أعمال :
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ . وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 1 » . 144 -
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
« 2 » . وقد قامت الأشاعرة حول هذه الآية الكريمة وقعدت وطبّلت وزمّرت ، زاعمة صراحتها في أنّه تعالى هو الذي يريد الكفر والفسوق ويأمر بهما لغرض هلاك من يريد اهلاكه ابتداء ومن غير ما سبب مبرر « 3 » . والجواب : أوّلا - وقوع هذه الآية أثر الآية المتقدمة الصريحة في اختيار العباد وتحملهم المسؤولية ، مما يحتم توجيه هذا إلى ما يلتئم مع قرائنها وإلّا لوجد معارضو القرآن إلى اختلاف آياته سبيلا . قال الكعبي : انّ سائر الآيات دلت على أنّه تعالى لا يبتدئ بالتعذيب والاهلاك ، لقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 4 » وقوله :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ
« 5 » . وقوله :
وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
« 6 » . فكل هذه الآيات تدلّ على أنّه تعالى لا يبتدئ بالاضرار . وأيضا ما قبل هذه الآية يدلّ على هذا المعنى ، وهو قوله :
هامش
( 1 ) الاسراء : 15 . ( 2 ) الاسراء : 16 . ( 3 ) سننقل نص كلامهم في تأويل الآية - وفق مذهبهم في الجبر - عن الرازي في تفسيره في التعليق الآتي . ( 4 ) الرعد : 11 . ( 5 ) النساء : 147 . ( 6 ) القصص : 59 .