فعل ما يريد وترك ما يكره ، لما كان لمثل هذا الكلام في مثل هذه اللهجة المهددة موضع صحيح .
ولا سيما وتعقيبها بآية هي أشد صراحة في مسؤولية الانسان ذاته عما يرتكبه من أعمال :
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ . وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 1 » .
144 -
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
« 2 » .
وقد قامت الأشاعرة حول هذه الآية الكريمة وقعدت وطبّلت وزمّرت ، زاعمة صراحتها في أنّه تعالى هو الذي يريد الكفر والفسوق ويأمر بهما لغرض هلاك من يريد اهلاكه ابتداء ومن غير ما سبب مبرر « 3 » .
والجواب : أوّلا - وقوع هذه الآية أثر الآية المتقدمة الصريحة في اختيار العباد وتحملهم المسؤولية ، مما يحتم توجيه هذا إلى ما يلتئم مع قرائنها وإلّا لوجد معارضو القرآن إلى اختلاف آياته سبيلا .
قال الكعبي : انّ سائر الآيات دلت على أنّه تعالى لا يبتدئ بالتعذيب والاهلاك ، لقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 4 » وقوله :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ
« 5 » . وقوله :
وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
« 6 » . فكل هذه الآيات تدلّ على أنّه تعالى لا يبتدئ بالاضرار . وأيضا ما قبل هذه الآية يدلّ على هذا المعنى ، وهو قوله :
هامش
( 1 ) الاسراء : 15 .
( 2 ) الاسراء : 16 .
( 3 ) سننقل نص كلامهم في تأويل الآية - وفق مذهبهم في الجبر - عن الرازي في تفسيره في التعليق الآتي .
( 4 ) الرعد : 11 .
( 5 ) النساء : 147 .
( 6 ) القصص : 59 .