فكان صرف الأمر إلى المجاز هو الوجه .
وأمّا الوجه الذي اختاره هو فهو ما أشار إليه أخيرا من صرف الأمر إلى المجاز ، قال - في قوله تعالى « وإذا أردنا . . . » - : وإذا دنا وقت اهلاك قوم ولم يبق من زمان امهالهم الا قليل ، أمرناهم « ففسقوا » أي أمرناهم بالفسق ففعلوا ، والأمر مجاز ، لأنّ حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم : افسقوا ، وهذا لا يكون ، فبقي أن يكون مجازا . ووجه المجاز أنّه صبّ عليهم النعمة صبا ، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتّباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك ، لتسبب ايلاء النعمة فيه وانما خوّلهم إياها ليشكروا أو يعملوا فيها الخير ، ويتمكّنوا من الاحسان والبرّ ، كما خلقهم أصحّاء أقوياء وأقدرهم على الخير والشر ، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق . فلما فسقوا حقّ عليهم القول ، وهو كلمة العذاب فدمّرهم « 1 » .
وأحسن من تكلّم في الآية على وجه يوافق مذهب الاعتزال : القفال ، فإنه ذكر في تأويلها وجهين :
الأوّل : أنّه تعالى أخبر أنّه لا يعذّب أحدا بما يعلمه منه ما لم يعمل ، أي لا يجعل علمه حجّة على من علم أنّه ان أمره عصاه ، بل يأمره ، فإذا ظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه . فقوله :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها
معناه :
وإذا أردنا امضاء ما سبق من القضاء باهلاك قوم ، أمرنا المتنعمين المتعززين - الظانّين أنّ أموالهم وأولادهم وأنصارهم ترد عنهم بأسنا - بالايمان بي والعمل بشرائع ديني ، على ما بلغهم عني رسولي ، ففسقوا . فحينئذ يحقّ عليهم القضاء السابق باهلاكهم ، لظهور معاصيهم .
والحاصل : أنّ المعنى : وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنهم
هامش
( 1 ) راجع : الكشاف : ج 2 ص 654 .