لا يقدمون إلّا على المعصية ، لم نكتف في تحقيق ذلك الاهلاك بمجرّد ذلك العلم . بل أمرنا مترفيها ففسقوا ، فإذا ظهر منهم ذلك الفسق ، فحينئذ نوقع عليهم العذاب الموعود به .
الثاني : أن نقول : وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور المعاصي من أهلها ، لم نعاجلهم بالعذاب في أول ظهور المعاصي منهم ، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي . وإنّما خصّ المترفين بذلك الأمر ، لأنّ المترف هو المتنعم . ومن كثرت نعم اللّه عليه ، كان قيامه بالشكر أوجب ، فإذا أمرهم بالتوبة والرجوع مرة بعد أخرى ، مع أنّه تعالى لا يقطع عنهم تلك النعم ، بل يزيدها حالا بعد حال فحينئذ يظهر عنادهم وتمردهم وابتعادهم عن الرجوع من الباطل إلى الحق ، فحينئذ يصبّ اللّه البلاء عليهم صبا .
ثمّ قال القفال : وهذان التأويلان راجعان إلى : أنّ اللّه تعالى أخبر عباده أنّه لا يعاجل بالعقوبة امّة ظالمة حتى يعذر إليهم غاية الاعذار ، الذي يقع منه اليأس من ايمانهم ، كما قال في قوم نوح :
وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
« 1 » . وقال :
أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
« 2 » . وقال في غيرهم :
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ
« 3 » .
فأخبر تعالى أوّلا أنّه لا يظهر العذاب إلّا بعد بعثة الرسول « 4 » . ثمّ أخبر ثانيا في هذه الآية أنّه إذا بعث الرسول أيضا فكذبوا لم يعاجلهم بالعذاب ، بل يتابع عليهم النصائح والمواعظ ، فان بقوا مصرّين على الذنوب ، فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال .
قال الإمام الرازي : وهذا التأويل الذي ذكره القفال في تطبيق الآية على قول المعتزلة ، لم يتيسّر لأحد من شيوخ المعتزلة مثله « 5 » .
هامش
( 1 ) نوح : 27 .
( 2 ) هود : 36 .
( 3 ) الأعراف : 101 .
( 4 ) في قوله تعالى :وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًاقبل الآية المبحوث عنها .
( 5 ) التفسير الكبير : ج 20 ص 176 .