تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
وقال الجبائي : ليس المراد من الآية أنه تعالى يريد اهلاكهم قبل أن يعصوا ويستحقّوا ، وذلك لأنه ظلم وهو على اللّه محال . بل المراد من « الإرادة » قرب تلك الحالة ، فكأنّ التقدير : وإذا قرب وقت اهلاك قرية ، أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ، وهو كقول القائل : إذا أراد المريض ان يموت ازداد مرضه شدة ، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كلّ جهة ، وليس المراد : أن المريض يريد أن يموت ، والتاجر يريد أن يفتقر ، وانما يعنون أنه سيصير كذلك ، فكذا هاهنا . وهذا الوجه الذي ذكره الجبائي هو الذي اخترناه ، ومن ثمّ فان مراجعة اختيارنا تذهب بمواقع الابهام من هذا الكلام . ولعل ما ذكره الشريف المرتضى بهذا الصدد أجمع وأوفى من الجميع ، فقد ذكر في تأويل الآية وجوها أربعة . كلّ منها يبطل الشبه الداخلة على المبطلين فيها ، ممن عدلوا بتأويلها عن وجهه ، وصرفوه عن بابه - على حد تعبيره - وإليك : - أولها : أنّ الهلاك قد يكون حسنا وقد يكون قبيحا ، فإذا كان مستحقا أو على سبيل الامتحان كان حسنا . وانما يكون قبيحا إذا كان ظلما ، فتعلّق الإرادة به لا يقتضي تعلقها به على الوجه القبيح ، ولا ظاهر للآية يقتضي ذلك . وإذا علمنا بالأدلّة تنزه القديم تعالى عن القبائح ، علمنا أن الإرادة لم تتعلق إلّا بالاهلاك الحسن . وقوله تعالى :
أَمَرْنا مُتْرَفِيها
المأمور به محذوف ، وليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق . وان وقع بعده الفسق ، ويجري هذا مجرى قول القائل : أمرته فعصى ، ودعوته فأبى . والمراد : أنني أمرته بالطاعة ، ودعوته إلى الإجابة والقبول . قال : ويمكن أن يقال على هذا الوجه : ليس موضع الشبهة ما تكلّمتم عليه ، وانما موضعها أن يقال : أيّ معنى لتقدّم الإرادة ؟ فان كانت متعلقة باهلاك مستحق بغير الفسق المذكور في الآية ، فلا معنى لقوله تعالى : إذا أردنا أمرنا ، لأنّ