تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
« 1 » . ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض . فثبت أنّ الآيات التي تلوناها محكمة ، وكذا هذه الآية ، فيجب حملها على تلك الآيات . حملا للمتشابه على المحكم « 2 » . وثانيا - للآية تأويل صحيح ، وفي نفس الوقت منسجم مع ظاهر التعبير تمام الانسجام : وذلك أنّ الإرادة في الآية ليست بمعنى أنّه تعالى قد يريد بقوم سوءا لا موجب له ، فيعمد - لتبريره - إلى التماس حجج ومعاذير هو يتكلفها ويمهد أسبابها » « 3 » ! كلا ، بل الإرادة - هنا - تعبير عن واقعية محضة عملت في تكوين ذاتها عند توفر شروط التحقق والعوامل المستدعية للتكوين . كقوله تعالى :
فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
« 4 » . حيث لا إرادة ولا قصد وانما هو اقتضاء واقع الأمر . وهكذا في الآية الكريمة كانت الإرادة بمعنى اقتضاء واقعهم السيئ للهلاك والدمار . وعليه فمعنى الآية : انّه متى ما حان وقت هلاك قوم ، فأراد اللّه ان ينزل بهم العقاب حسب اقتضاء واقعهم المتفسخ المنهار ، كان من علامة ذلك ان يقوم كبراؤهم المنعمون وزعماؤهم المتبعون ، بطغيان عارم واستهتار بالمعاصي والفجور ، فعند ذلك تحق عليهم كلمة العذاب .
هامش
( 1 ) الاسراء : 15 . ( 2 ) التفسير الكبير : ج 20 ص 175 - 176 . ( 3 ) قال الفخر الرازي - وهو أشعري - : احتج أصحابنا بهذه الآية على مذهبهم من وجوه ، الأوّل : ان ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أراد ايصال الضرر إليهم ابتداء ، ثم توسل إلى اهلاكهم بهذا الطريق . الثاني : ان ظاهر الآية يدل على أنه تعالى انما خص المترفين بذلك الأمر ، لعلمه بأنهم يفسقون . وذلك يدل على أنه تعالى أراد منهم الفسق . الثالث : انه تعالى قال « فحق عليها القول » بالتعذيب والكفر ، ومتى حق عليها القول بذلك امتنع صدور الايمان منهم ، لان ذلك يستلزم انقلاب خبر اللّه الصدق كذبا ، وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال . ( 4 ) الكهف : 77 .