أو يهتدي إلى المحجة البيضاء بين محتلكات المسالك في هذه الحياة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ
« 1 » .
105 -
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ
« 2 » . قالت الأشاعرة : الآية تدل على أنّه تعالى هو الذي لم يقدر الكافر على الايمان ، فلم يستطع السمع ولا تمكن الابصار .
والجواب : أنّ هذه الآية توبيخ ولا توبيخ على العاجز . بل الذي حجز قلوبهم دون نفوذ الحق فيها ، هو القسوة والجفاء الذي اكتسبته قلوبهم على أثر الخطايا والذنوب ، فصدهم عن ذكر اللّه
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
« 3 » .
ذلك أنّ المؤمن - حيث رغبته في الاهتداء - يسطيع ان يستمع إلى دلائل الهدى والارشاد ، بسهولة ويسر . وأمّا الفاسق العاتي ، فان نفسه لا تطاوعه للانصات إلى دعوة الحق ، صم بكم عمي فهم لا يعقلون .
106 -
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
« 4 » .
الاغواء في هذه الآية هو الخذلان وسلب التوفيق على أثر معاندتهم مع الحق ، ومتى بلغ الانسان هذه المرتبة من الجفاء العارم ، وسلب عنه التوفيق بما كسبت يداه ، فلا موضع في قلبه لنفاذ النصح والارشاد . فمعنى « يريد أن يغويكم » : « لا يريد أن يهديكم » لعدم صلاحية في المحل وعدم استعداده للتلقي والقبول .
والدليل على ذلك قولهم :
يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
« 5 » . فهذا من التعنت واللجاج تجاه الحق بما
هامش
( 1 ) الأعراف : 43 .
( 2 ) هود : 20 .
( 3 ) الكهف : 101 .
( 4 ) هود : 34 .
( 5 ) هود : 32 .