وهناء . فلا ينبغي لسالك سبيل - مهما كانت من طاعة أو عصيان - أن يغفل من نفسه تلكم الحالات المفاجئة في حياته ، المغيّرة للمسير أحيانا ، فلا يغتر مؤمن بايمانه ليأخذه العجب بنفسه فيزلّه عن الصراط بغتة . وان في قصة ذلك التحول النفسي الذي فاجأ بلعم باعورا ، لدرسا وعظة . وهكذا لا ييأس العاصي بتوافر خطيئاته مهما كانت عظيمة ، ليأخذه القنوط من روح اللّه والشعور بالحرمان الأبدي ، ليسترسل في طغيانه . بل العبد - سواء أكان مطيعا أم عاصيا - فإنه دائما بين خوف ورجاء ، لا يأس ولا اغترار .
ولعل هذا هو المراد
في الحديث المأثور : « ان قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء » .
و
في لفظ آخر : « إذا شاء أزاغها وإذا شاء أقامها »
و
قد روي أنّ النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) كان يدعو : « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » ثمّ يقرأ :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
« 1 » .
وقال يعقوب منبها لبنيه :
وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
« 2 » .
وفي الحديث المستفيض « انّ لربكم في أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لها بكثرة الاستعداد » « 3 » .
والآثار من هذا القبيل كثيرة جدا .
وهذا معنى لطيف ودقيق للغاية . غير أن تفسير الآية الكريمة بذلك ربما لا يلتئم وكونها تهديدا بموقف المشركين ممن امتنعوا عن قبول الدعوة وعن إجابة الرسول .
2 - ان الآية كناية عن سلطانه تعالى في عالم الوجود ، وانه المتصرف فيه كيف يشاء لا رادّ لقضائه .
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ
« 4 » . فهو تعالى املك من كل انسان لقلبه ، الذي هو منبعث اراداته وقصوده في كلّ ما يعمل أو
هامش
( 1 ) راجع الدرّ المنثور : ج 2 ص 8 - 9 ، ومصابيح الأنوار للسيّد شبّر : ج 1 ص 424 رقم 77 ، والآية 8 من سورة آل عمران .
( 2 ) يوسف : 87 .
( 3 ) راجع : عوالي اللآلي : ج 4 ص 118 .
( 4 ) الزمر : 67 .