تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
وفريق الاعتزال . وهي من جلائل الآيات القرآنية وأدقها تعبيرا عن موقف الدعوة الاسلامية الضافية ، تجاه الحياة البشرية المليئة بالأكدار . هذه الآية تجعل من شريعة اللّه نبضة الحياة العليا السعيدة ، التي هي منشودة الانسانية الكريمة ، في صميم واقعها الأصيل . وانّها لهي الحياة الحقيقية إذا ما تقبلتها النفوس واستسلمت لقيادتها الحكيمة . أمّا معاكسة هذا الاتجاه فيهددها خطر الانعطاف إلى تيه الجهل والضلال ، وسقوط فاضح عن مقام الانسانية الرفيعة . غير أن الأشاعرة بالذات أعشى أعينهم بريق هذا المعنى اللامع فحاولوا تحريفه إلى ما يلتئم ومذهبهم في الجبر . الأمر الذي جعل من الآية غريبة المفاد عما اكتنفها من صدر وذيل . قال الفخر الرازي : يختلف تفسير الآية بحسب اختلاف الناس في الجبر والقدر . أمّا القائلون بالجبر ، فقال الواحدي - حكاية عن ابن عباس والضحاك - يحول بين المرء الكافر وطاعته ، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته . فالسعيد من أسعده اللّه ، والشقي من أضله . والقلوب بيد اللّه يقلبها كيف يشاء . فإذا أراد الكافر ان يؤمن ، واللّه تعالى لا يريد ايمانه ، يحول بينه وبين قلبه . وإذا أراد المؤمن أن يكفر ، واللّه لا يريد كفره ، حال بينه وبين قلبه . قال الفخر - تعقيبا على ذلك - : وقد دللنا بالبراهين العقلية على صحة أنّ الأمر كذلك . وذلك لأن الأحوال القلبية إمّا العقائد وإمّا الإرادات والدواعي - ثمّ أخذ في الاستدلال على أنها جميعا خارجة عن اختيار العبد - وقال أخيرا : فتعين ان يكون فاعل الاعتقادات والإرادات والدواعي هو اللّه تعالى . قال : فنص القرآن دلّ على أنّ أحوال القلوب من اللّه ، والدلائل العقلية دلّت على ذلك ، فثبت أنّ الحق ما ذكرناه « 1 » وبهذه السفسطة المفضوحة حاول اثبات
هامش
( 1 ) التفسير الكبير : ج 15 ص 147 - 148 .