تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
ويتخذه إلهه من دون اللّه
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
« 1 » . على أنه فيه مختار ، فلا جبر ولا اضطرار . ويقابل هذا من الحيلولة ما حكى بعضهم عن نفسه ، انّه كان منهمكا في شهواته ولهوه ، تاركا لهداه وطاعة ربه . فنزل يوما في زورق مع خلان له في نهر دجلة للتنزه ، ومعهم النبيذ والمعازف فبيناهم يعزفون ويشربون ، إذ التقوا بزورق آخر فيه تال للقرآن يرتل سورة
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
فوقعت تلاوته من نفسه موقع التأثير والعظة : فاستمع له وأنصت ، حتى إذا بلغ قوله :
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
امتلأ قلبه خشية من اللّه وتدبرا ، لاطلاعه على صحيفة عمله يوم يلقاه ، فأخذ العود من العازف فكسره وألقاه في دجلة ، وثنى بنبذ قناني النبيذ وكئوسه فيها ، وصار يردد الآية . وعاد إلى منزله تائبا من كلّ معصية ، مجتهدا في طاعة ربه . فتذكير اللّه تعالى إيانا بهذا الشأن من شؤون الانسان ، وهذه السنة القلبية من سنن اللّه تعالى في الإرادات والأعمال ، وأمره إيانا بأن نعلمها علم ايقان واذعان ، يفيدنا فائدتين لا يكمل بدونهما الايمان ، إحداهما : أن لا يأمن الطائع من مكر اللّه فيغتر بطاعته ويعجب بنفسه . والثانية : ان لا ييأس العاصي من روح اللّه ، فيسترسل في اتباع هواه ، حتى تحيط به خطاياه . فمن لم يأمن عقاب اللّه ، ولم ييأس من رحمة اللّه ، يكون جديرا بأن يراقب قلبه ، ويحاسب نفسه على خواطره مجتنبا الافراط والتفريط ، بين خوف يحجزه عن المعاصي ، ورجاء يحمله على الطاعات « 2 » . ويتلخص هذا المعنى في أن في القلب نقطة تحولات مفاجأة ، قد تشرق على تائه الطريق بغتة ، فتعطف به إلى المحجة البيضاء بعد مرارة وشقاء . كما أنّها قد تنطفي على سالك الطريق فتنجرف به إلى مزالق ردى وهلاك بعد سعادة
هامش
( 1 ) الفرقان : 43 . ( 2 ) الشيخ محمد عبده - في تفسير المنار - : ج 9 ص 634 - 635 .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 242 | الشيخ محمد هادي معرفة