مذهب الجبر الأشعري .
ونحن سنبحث عن مسألة « السعادة والشقاء » في فصل قادم . وعمدة ما استند إليه الفخر استدلالا في هذا المجال ، هو نظرية : « لا اختيارية الإرادة » حسبما تقدم منهم « 1 » : أن الإرادة وان كانت هي الملاك لاختيارية الافعال الصادرة عن اختيار العباد ، غير أن الإرادة بذاتها ليست باختيارية ، والا لزم سبق إرادة أخرى فتتسلسل ! وقد أجبنا عن ذلك بأن اختيارية الإرادة كملوحة الملح ذاتية ، وأمّا غيرها فلا بدّ أن تنتهي إليها ، فراجع .
هذا جل محاولة الأشاعرة ، وفي مقدمتهم متفلسفوهم ولا سيما امام المشككين في التحريف بهذا الآية الكريمة . أمّا غيرهم ممن تخلّوا عن تساويل الأشعري بالذات ، أو كانوا في اتجاه معاكس معهم في الرأي والاختيار ، فلهم في تفسير الآية أنظار دقيقة ، وربما آراء ثمينة ، نذكر منها الأهم : - 1 - ان من سنة اللّه الحيلولة بين المرء وقلبه ، الذي هو مركز الوجدان والإدراك ، ذي السلطان على إرادته وعمله . وهذا أخوف ما يخاف منه المتقي على نفسه ، إذا غفل عنها وفرّط في جنب ربه . كما أنّه أرجى ما يرجوه المسرف عليها إذا لم ييأس من روح اللّه فيها .
فهذه الجملة أعجب جمل القرآن . ولعلها أبلغها تعبيرا ، وأجمعها لحقائق علم النفس البشرية ، وعلم الصفات الربانية ، وعلم التربية الدينية ، التي تعرف دقائقها بما تثمره من الخوف والرجاء .
فبينا زيد يسير على سبيل الهدى ، ويتقي طرق الضلالة الموصلة إلى مهاوي الردى ، إذا بقلبه قد تقلب بعصوف هوى جديد ، يميل به عن الصراط المستقيم ، من شبهة تزعزع الاعتقاد ، أو شهوة يغلب بها الغيّ على الرشاد ، فيطيع هواه
هامش
( 1 ) في صفحة : 182 - 183 .