يختار . فلا يغترّ أحد بزعم استقلاله في متصرفاته يزاولها حسبما يريد . بل دون تحقق الأهداف والبلوغ إلى مآرب الحياة ، إرادة ربّ العالمين القاهرة ، لا يقع شيء ولا يتحقق أمر إلّا بإذنه تعالى
وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
« 1 » . حسبما تقدم في مسألة « الأمر بين الأمرين » « 2 » .
فان كانت العصاة قد رفضوا الاستسلام لشريعة السماء رغبة في مباهج هذه الحياة وزخارفها الخلّابة ، وكانوا يرون من قبول الحق خسارة لذائذ سفلى ومصالح وقتية زائلة ، فان العيش لا يأمن معه الهناء ، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن . فلا ينبغي لأيّ انسان أن يأمن صروف الزمان وتقلبات الأحوال ، وهي تترى على هذه الحياة المتنغصة بالأهوال والأكدار . الأمر الذي جعل من نفوس غير مؤمنة وغير معتمدة إلى ركن وثيق في توتر نفسي وقلق دائم .
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
« 3 » .
وهذا المعنى يمثله قول الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « عرفت اللّه بفسخ العزائم وحل العقود ، ونقض الهمم » « 4 » .
ورجّح كثير تفسير الآية بهذا المعنى . قال الزمخشري : وقيل : معناه انّ اللّه قد يملك على العبد قلبه فيفسخ عزائمه ، ويغير نياته ومقاصده ، ويبدل بخوفه أمنا وبأمنه خوفا . وبالذكر نسيانا وبالنسيان ذكرا ، وما أشبه مما هو جائز على اللّه .
لكن التعبير بالقلب عن مشتهيات النفس تأباه فصاحة القرآن . القلب عضو شريف في الهيكل الانساني ، وقد جاء تعبيرا عن منبعث الإدراكات الانسانية النبيلة
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
« 5 » . ومن ثمّ فان المعرض عن ذكر اللّه قد ختم على قلبه ، فلا يكاد يفقه شيئا .
هامش
( 1 ) البقرة : 102 .
( 2 ) صفحة : 174 فما بعد .
( 3 ) الرعد : 28 .
( 4 ) شرح النهج لابن أبي الحديد : ج 19 ص 84 .
( 5 ) ق : 37 .