وتخلص الأشعري بنفسه بحمل الأولى على الاستفهام الانكاري ، وقد تقدم وهنه برقم : 33 . وقد شنعوا عليه هذا التأويل الذي لا يعدو تحريفا ظاهرا لا مبرر له سوى قلة الورع وعدم المبالاة بالدين .
وقد جاء مثل التعبيرين في قصة موسى ( عليه السلام ) ، قال تعالى :
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ . وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ
« 1 » .
فقال تعالى مكذبا لهم في ذلك :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
« 2 » . فبين أنّه تعالى هو الذي يفعل الأمرين بلاء ومصلحة ، لكي يرجع العاصي ويقتلع عن كفره ومعصيته .
وتفسيرهما الصحيح : أنّ الحسنة هنا : الرخاء ووفور النعم . والسيئة :
الجدب والقحط والبلايا . فكلتاهما من عند اللّه ابتلاء لعباده بالنعم شكرا أم كفرانا ؟ وبالبلايا ارعواء أم زيادة طغيان ؟ . وقد تكون النعم تفضلا ومزيدا في الاحسان جزاء لشكرهم
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
« 3 » . وتكون البلايا نقمة وعقابا
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
« 4 » .
فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 5 » .
فالسيئة - كالحسنة نازلة من عند اللّه لحكمة الرجوع إلى الرشد والارعواء عن الباطل لطفا ، أو نكالا وعقابا على المرود والطغيان . غير أنّ السبب الموجب لنزول البلاء عليهم هم أنفسهم جزاء بما كسبوا .
وبهذا يجمع بين قوله - بشأن الحسنة والسيئة - : « كلّ من عند اللّه » . وقوله - بشأن السيئة - : « فمن نفسك » . نعم كانت الحسنة ( النعم والرخاء ) تفضلا من اللّه محضا ، حيث لا استحقاق ذاتيا للجزاء على الحسنات إلّا ما وعد اللّه من
هامش
( 1 ) الأعراف : 131 .
( 2 ) الأعراف : 168 .
( 3 ) إبراهيم : 7 .
( 4 ) الأعراف : 96 .
( 5 ) الانعام : 43 .