يجعلهم مختارين في الاهتداء والبقاء على الضلال تحقيقا لحكمة التكليف . ومن ثمّ فمنهم من يؤمن ومنهم من يكفر
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
« 1 » ، الأمر الذي ينتهي بامتلاء جهنم من العصاة والكفار ، لسوء اختيارهم الفسوق والطغيان .
وتدلنا على ذلك الآية بعدها :
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ، إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
« 2 » فكان استحقاقهم العقاب ، لسوء تصرفاتهم في هذه الحياة ، وتناسيهم لقاء يوم الحساب . الأمر الذي يتنافى ومقصود الأشعري في الجبر على الكفر والعقاب .
28 - والآيات التي جاء فيها تعليق الايمان على مشيئة اللّه ، إنّما تعني إرادته التكوينية للايمان المتنافية مع حكمة التكليف :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
« 3 » . لكنه تعالى لم يشأ ذلك ، بل خول الناس اختيارهم في الكفر والايمان
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
« 4 » .
وبذلك اتضح تفسير قوله تعالى :
ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
- أي باختيارهم -
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
- أن يجبرهم على الايمان . لكنه تعالى لا يفعل ما يخالف حكمته في التكليف - « 5 » .
29 - وقوله :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 6 » يعني إذنه في تحقق الأشياء - على ما سلف تحقيقه - فكل ما يريد العباد فعله ، لا يقع إلّا بإذن اللّه ، وبإرادته الحادثة . الواقعة إثر إرادة العباد ، وفق سنته الجارية في الخلق .
30 - 31 - وكلّ آية جاء فيها تعليق الايمان أو عدم الشرك أو عدم القتال على مشيئة اللّه تعالى ، فانّما هي المشيئة التكوينية ، بنفس التقريب المتقدم برقم : 28 .
هامش
( 1 ) الكهف : 29 .
( 2 ) السجدة : 14 .
( 3 ) يونس : 99 .
( 4 ) الأنفال : 42 .
( 5 ) الانعام : 111 .
( 6 ) الانسان : 30 .