26 - وأمّا قوله تعالى :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
« 1 » فهو كقوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
« 2 » . كانت اللام في أمثال هذا الكلام للعاقبة والنتيجة ،
كقول الامام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لدوا للموت وابنوا للخراب « 3 » .
أي كلّ ولادة لا بدّ أن تنتهي إلى الموت . وكلّ بناء لا بدّ أن ينتهي إلى الخراب . وهكذا كثير ممن خلقهم اللّه تؤول عاقبة أمرهم إلى جهنم . بدليل التعليل في ذيل الآية : لهم قلوب لا يريدون أن يفقهوا بها . ولهم أعين لا يحاولون الإبصار بها . ولهم آذان لا يسترعون الاستماع بها . وقد جعلوا من أنفسهم كالأنعام بل أضل . الأمر الذي هو طلبوه ومهدوا السبيل إلى تحقيقه ، كأنّهم يجتهدون مساعيهم لدخول النار وبئس المصير .
وأخيرا فالذي يدلنا بوضوح على أنّ دخولهم النار كان لسوء اختيارهم - لا أنّه تعالى خلقهم لذلك بحيث أراد منهم فعل المعاصي ليدخلوا جهنم ، كما زعمه الأشعري وأذنابه الأغبياء - قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 4 » . وهذه الآية صريحة ومحكمة ، فيجب رد غيرها من متشابهات إليها .
27 - وقوله :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
« 5 » . المشيئة فيها تكوينية ، أي لو أردنا اجبارهم على الهدى لفعلنا ، غير أنّه «
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
» . إذ حكمة التكليف تقتضي منح المكلفين اختيارهم في الاهتداء أو البقاء على الضلال .
ولولا ذلك لم يحصل اختبار ولا تمييز الخبيث من الطيب . ولئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل .
وقوله - بعد ذلك - :
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
لا يدلّ على أنّه تعالى حتم عليهم الكفر والعصيان ليدخلوا جهنم . بل المعنى : أنّه تعالى حق القول منه أن لا يكره الناس على الطاعة والايمان ، بل
هامش
( 1 ) الأعراف : 179 .
( 2 ) القصص : 8 .
( 3 ) نهج البلاغة : قصار الحكم : 132 .
( 4 ) الذاريات : 56 .
( 5 ) السجدة : 13 .