مسألة الهداية والتوفيق :
أصل الهداية : الدلالة والارشاد « 1 » ، وغير أنّ أنحاء الدلالة تختلف حسب نوعيتها ومرتبتها في التأثير والبلوغ . فمن دلّ غيره على طريق يؤدّى إلى مقصده فقد هداه ، كما أنّ الذي أخذ بيده وأوصله إلى مطلوبه أيضا هداه . ففي الأوّل يحتمل الضلال ، والثاني لا يحتمله . فقوله تعالى :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
« 2 » ، هداية من النوع الأول . وقوله تعالى :
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ
« 3 » هداية من النوع الثاني . وقد استعملت « الهداية » في القرآن على انحاء ودرجات ، نلخصها فيما يلي : - الأولى : هداية فطرية مرتكزة في جبلة الأشياء ، سواء أكان حيوانا أم نباتا أم جمادا . إذ ما من موجود إلّا وهو يهتدي - اهتداء ذاتيا - إلى طرق الصلاح والفساد ، ممّا يتلائم وطبعه فيسعى في جلبه ، أو ينافره طبعه فيقوم في وجهه ، بدافع من فطرته التي فطره اللّه عليها
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
« 4 » .
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
« 5 » . الأمر الذي نشاهده - بوضوح - في نظام
هامش
( 1 ) كما في قوله تعالى :فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ- الصافات : 23 . وقوله :أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ- أي بالاهتداء بالنجوم - النمل : 63 ، كما في قوله :وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ- الانعام : 97 .
( 2 ) فصلت : 17 .
( 3 ) الزمر : 37 .
( 4 ) طه : 50 .
( 5 ) الأعلى : 3 .