استقلاله واستغناؤه في الصنع والإحداث ، وافتقار غيره من الصناع إلى فعل القوى التي أودعها اللّه في جبلة الأشياء .
23 - أمّا عدم اجتماع قدرتين على مقدور واحد ، فان أريد قدرتان مستقلتان على ايجاد الشيء خارجا . فحق ، ولا كلام لنا في ذلك . إنّما الكلام في قدرتين إحداهما على ايداع القوى في طبيعة الأشياء والإفاضة عليها في خط البقاء . والثانية على إيجاد شرط التفاعل بين هذه القوى . كما في مثال الإحراق والاحتراق بالنار وهذا شيء بديهي لا غبار عليه .
24 - وأمّا التشريك في الخلق فإنّما يلزم لو قيل بتأثير قدرتين مستقلتين كل على مقدور غير مقدور الأخرى ، كما ذهب إليه الثنوية . أمّا لو كانت هناك قدرتان إحداهما في طول الأخرى وفي امتدادها - وفق سنة اللّه التي جرت في الخلق - لحكمة التكليف والاختيار ، فلا شرك ، بل هو توحيد خالص ، كما لا يخفى على أولى النهي .
25 - أمّا العلم بتفاصيل المصنوع فواجب لو كانت جميع تلك التفاصيل من صنعه وواقعة تحت اختياره وعن قصده ، أمّا لو كانت جملة المصنوع إجماليا واقعة عن قصده ، لكن لزمتها بعض الخصوصيات لا عن اختياره ، فلا يجب تعلق علم الصانع بها .
ففي مثال المشي ، كان الذي قصده الماشي هو : رفع رجله ووضعها إلى الأمام في اتجاه خاص . وهذا المقدار هو الذي ينسب إليه ويكون عن اختياره وقصده وإرادته الخاصة . أمّا قدر ما بين قدميه من مسافة وكم خطوة يريد تخطيها ، فهذا لم يقصده ولا واقع تحت إرادته ، ولا هو منسوب إليه كعمل اختياري . وهكذا حركات أعضائه عند الأخذ والبطش ، ومدّ الأعصاب والايعازات العصبية ، وما إليها كلّها خارجة عن اختياره وإرادته الخاصة ، ولا ينسب إليه شيء من ذلك « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع - بالخصوص - محاضرات سيدنا الأستاذ - دام ظلّه - : ج 2 ص 44 - 45 .