تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
قال تعالى :
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ، أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ
« 1 » . وبما أنّ الصدفة والخروج عن العدم المحض من غير علة ولا سبب موجد مستحيلة ، في بداهة العقل الرشيد ، وكذا أن يكون . موجود هو أوجد نفسه فيكون بذاته علة لذاته وفي نفس الوقت معلولا عن ذاته ، ليتّحد العلة والمعلول ، هذا أيضا مستحيل ، فثبتت الثالثة ، وأنّ هناك صانعا مدبرا هو الذي خلق وقدر . 21 - وقوله :
شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ
« 2 » نفى أن يكون من زعموه شريكا مع اللّه في العبادة أن يكون شريكا معه في الخلق . فإذا لم يكونوا شركاء في الخلق ، فكيف أصبحوا شركاء في العبادة ؟ ! والخلق المنفي هنا هو الاستقلال والاستبداد في الإحداث والإبداع ، الأمر الذي لا يتنافى واختيارية أفعال العباد ، الذين هم غير مستقلين فيها ، فلم يكونوا شركاء له تعالى في الخلق والتدبير التام . إذ نسبة الفعل إلى فاعله - باعتبار أنّه موجد لشرطه - لا تقتضي استقلاله في الإحداث . 22 - والاجماع على أنّه لا خالق إلّا اللّه ، كالآيات المتقدمة ، ينفي استقلال غيره في الإحداث والإيجاد ، أمّا إيجاد شرط الشيء لتتفاعل القوى الطبيعية مع بعضها تماسكا وتجاذبا ، وفق سنة اللّه التي جرت في الخلق ، فهذا شيء لا ينفيه الاجماع المذكور ولا الآيات السابقة . وقد تقدم الكلام في ذلك . واطلاق الخلق على هذا النمط من الإحداث والصنع ليس شيئا ينكر ، قال تعالى - خطابا مع عيسى ( عليه السلام ) :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
« 3 » أي تصنع . فأسند الخلق إلى عيسى ذاته . وقال تعالى :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
« 4 » .
أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ
« 5 » . أي أحسن الصانعين ، حيث
هامش
( 1 ) الطور : 35 - 36 . ( 2 ) الرعد : 16 . ( 3 ) المائدة : 110 . ( 4 ) المؤمنون : 14 . ( 5 ) الصافات : 125 .