16 - وقوله :
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
« 1 » كان المشركون يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبر اللّه نبيّه ، فقال بعضهم : أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمّد ، فنزلت : أنّه لا فرق عند اللّه بين الجهر والاخفات ، إنّه يعلم ما تختلج به صدوركم قبل النطق به . ثمّ جاء التعقيب معللا : « ألا يعلم » - أي خفايا جوانحكم - « من خلق » - أي من خلقكم ، فهو أعرف بخباياكم قبل مظاهركم -
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
« 2 » فلا يعزب عنه شيء وان دق ولطف .
إذن فلا دلالة في الآية الكريمة أنّه تعالى خلق الخواطر والألفاظ ، كما زعمه الأشعري وأذنابه ممن يحاولون تحريف الكلم عن مواضعه .
17 - وقوله :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
« 3 » أي وفقنا لنكون مسلمين لك ، وذلك بإفاضة ألطاف خاصة يفيضها اللّه على من استهدى من عباده وجاهد فيه ،
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
« 4 » .
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 5 » وسنتكلم عن مراتب الهداية ، وانّها عامّة وخاصة ، منها ما عمّ الناس جميعا ابتداء منه تعالى . ومنها ما خصّ المسترشدين المستهدين ممن ساروا على مناهج الهدى وكانت لهم سابقة جد واجتهاد .
والدليل على ذلك ما جاء في تعقيب الآية :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 6 » . فهو دعاء وابتهال إلى اللّه أن يمنحهم بلطفه ومعونته وتأييده الخاص . لا أن يخلق فيهم الاسلام دينا قهريا مجبرين عليه ، كما زعمه الأشعري .
هامش
( 1 ) الملك : 13 .
( 2 ) الملك : 14 .
( 3 ) البقرة : 128 .
( 4 ) محمّد : 17 .
( 5 ) العنكبوت : 69 .
( 6 ) البقرة : 128 - 129 .