قال القاضي : ولذلك قال الشاعر : « 1 » :
ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثم لا يفري « 2 »
قال : ومتى حمل الكلام على هذا الوجه كان حقيقته : أنّه تعالى قد قدر أفعال العباد ودبرها وبين أحوالها . فكان الخلق خلق تدبير لا خلق ايجاد واحداث .
قلت : حتى ولو كان بمعنى الإحداث والإيجاد ، صحّ أيضا على ما بيّنا من صحّة إضافة الأحداث والمولدات إليه تعالى حقيقة ، وإن كان الفاعل لها غيره باعتبار خلق الجوّ الملائم لذلك التفاعل والتماسك الطبيعي العام .
قال : ووجه آخر : إنّ هذه اللفظة ليست للتعميم : كقول القائل : أكلت من كلّ شيء ، وتحدثنا بكلّ شيء ، وفعلت كلّ شيء . وقد قال تعالى :
تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
« 3 » . وقال :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 4 » . وقال :
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها
« 5 » . وقال :
يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ
« 6 » . إلى غيرهن من آيات . حيث المقصد بذلك هي المبالغة في الكثير من ذلك النوع المذكور « 7 » .
وروى الصدوق في الخصال عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) وكذا في عيون الأخبار عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) : « انّ أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين . واللّه خالق كلّ شيء ، ولا نقول بالجبر والتفويض » « 8 » .
هامش
( 1 ) هو : زهير بن أبي سلمى . راجع : ديوان زهير ص 54 ط دار الكتب . ولسان العرب وشرح الأصول الخمسة : ص 380 .
( 2 ) قال ابن منظور في معنى البيت : أنت إذا قدرت امرا قطعته وأمضيته ، وغيرك يقدر ما لا يقطعه ، لأنه ليس بماضي العزم ، وأنت مضاء على ما عزمت عليه .
( 3 ) النحل : 89 .
( 4 ) الانعام : 38 .
( 5 ) الأحقاف : 25 .
( 6 ) القصص : 57 .
( 7 ) متشابهات القرآن : ج 1 ص 251 - 254 .
( 8 ) تفسير الصافي : ج 1 ص 536 نقلا عن الخصال وعيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) .