تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
وأيضا فإنّ الآية بذاتها تعبير صريح عن هذا المعنى ، قال تعالى :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
« 1 » . انظر إلى هذه الدقة في التعبير ، ذكر خلق كلّ شيء أوّلا ثمّ عقّبه بعلمه بكلّ شيء . ثمّ ذكر خلق الأشياء ثانيا وعقّبه بكفالته لحفظها وتدبير شؤونها . . . فلو فرضنا الآية تشمل خلق أفعال العباد أيضا ، فإنّ ذلك خير قرينة على إرادة علمه الشامل وتدبيره العام لشؤون المحدثات على الإطلاق . 7 - إلى 11 - وقوله :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
« 2 » يريد الخلق بمعنى الايجاد والابداع ، الذي لاحظ لمخلوق في ذلك سوى خلق الجوّ الملائم وفعل الشرط لا أكثر . وهكذا بقية الآيات التي تنفي قدرة غيره تعالى على الخلق يعني الاستقلال التام في الخلق والتكوين . الذي هو شأن المعبود تعالى وتقدس . 12 - وقوله :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما
« 3 » ظاهر في الموجودات العينية ، لمناسبة السنخية الملحوظة بين المتعاطفات : السماء والأرض وكلّ موجد جسماني واقع بينهما . والدليل على ذلك تمام الآية :
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
« 3 » . ولو كانت تشمل أفعال العباد أيضا لوجب حملها على إرادة التقدير والتدبير ، لأنّ الأفعال متدرجة الحدوث بعد الستة الأيام التي ثمّ فيها خلق السماوات والأرض وما بينهما من موجودات . ويشهد لذلك التعبير بالرب في آيات مماثلة :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
« 5 » . وفي قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
« 6 » لدليل على خلقة سبقت وجود
هامش
( 1 ) الانعام : 101 - 102 . ( 2 ) النحل : 17 . ( 3 ) الفرقان : 59 . ( 5 ) الشعراء : 24 . ( 6 ) الحجر : 85 .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 188 | الشيخ محمد هادي معرفة